الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

ج - التصوير والتمثيل:

إن هدف التشريع القرآني هو تهذيب النفس البشرية وتربيتها، وإذكاء الإدارة حتى يتم التغير بالمسير في الإصلاح، ولن يصل بالنفس الإنسانية إلى الإيمان بما يدعوها إليه إلا إذا تعامل مع ملكاتها المتعددة، وجوانبها المختلفة العقلية منها والوجدانية، فهو يخاطبها كلها، فإذا أدرك العقل واستوعب مضمون هذا الخطاب. حمل إلى مكامن الإحساس والوجدان من ذلك المعنى ما يلائمه من التأثيرات المختلفة فتفاعل الإحساس بها وتأثر.

فالخطاب لا يقتصر على العقل وحده، على نحو ما تعلم من طبيعة سائر أنواع الكلام البرهاني، ولكنه يحمل إلى العقل معنى يخاطبه به، وينهيه إليه، وينفث في المشاعر والخيال إحساساً بصورة ذلك وينبهها إلى ما فيه من حركة وحياة، وهو لا يتكلف هذا السبيل في الخطاب اتفاقاً أو يتهيأ له، حتى إذا تجاوز ذلك عاد إلى النسق المألوف والكلام المعتاد، بل هو في القرآن نسق مطرد، وطريقة متبعة، وسبيل عرفت بها؛ فلكل من المعنى واللفظ شأن آخر!

- فليست المعاني في القرآن مجردات محضة لا يدركها إلا العقل، إنما هي صورة حية تمر بخيال القارئ ويلمسها إحساسه.

وليست الألفاظ فيه تلك الحروف الصوتية الجامدة التي لا تدل على المعاني المجزأة، بل هي ينبوع يفيض بالصور والأحاسيس، وليس التركيب والنظم مناط البلاغة، ومظهر الروعة البيانية، بل للصورة أثرها، وللإيقاع إيحاؤه، وللتشخيص إثارته، وخلود الكلمة يرجع إلى إصابة هدف الحقيقة، وتحريك جذوة الإرادة،

وإرواء ظمأ الشعور، وهذا ما لا يوجد متلائماً متناغماً إلا في العبارة القرآنية. حيث تعد أمثلة القرآن على اختلافها لوحات فنية رائعة لتصوير مشاهد الطبيعة بأشكالها وأنواعها المختلفة، وكذلك تصوير مصائر الغابرين، ومصارع الظالمين، والقرآن إذ يضرب الأمثلة بمشاهد منتزعة من مظاهر الكون وصوره، يؤلف بين القيم والمبادئ المجردة التي تنزل من أجلها، والمشاهد الطبيعية التي يعيش الإنسان في أكنافها؛ وفي تلك اللوحات

132