الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٣٣مشاهد ألفتها العرب، وعرفتها في حياتها النوعية الخاصة وفيها مال تعرفه وكثيراً ما تأتي أمثلة القرآن من غير ذكر للمعنى، فيكون الممثل له مطوياً يشار إليه في تضاعيف المثال ذاته، بحيث لا يجهل السامع، أو القاري المعنى الكلي الذي سيق له المثال. (1)
فالمعنى مهما ألبس ثوباً نظراً من البيان والإشراق، فإنه يظل بعيداً عن الإدراك
66
التام حتى يتجسد في التصوير والتمثيل، وفي ذلك يقول عبد القادر الجرجاني واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو أبرزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها أبهة وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها وشب نارها .. (2)
""
فهو يقرب المعنى المراد للعقل، ويصوره بصورة المحسوس؛ لأنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها الحواس، ومن ثم كان الغرض منه تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالمشاهد، وذلك ما تحسسه الزمخشري من قبل فرأى أن ضرب الأمثال له “ شأن ليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صوره المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه شاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامع الأبي فانظر إلى قوله سبحانه وتعالى حين يعمد إلى معنى فكري مجرد يخرجه لك في مظهر حرب متلاحقة بين طرفين، فيصور أحداثها أمامك حية مجسمة يقول سبحانه وتعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدَ مَعَهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ} [الأنبياء:18]، فالقذف والدمغ والزهق كلمات ما كان ليخطر في بال أي متأمل أن يستعملها في مجال التعبير عن أن الحق هو الذي تقبله النفوس، والعقول الحرة دائماً، ولكن المعجزة
(1) انظر البوطي: من روائع القرآن ص 217،216. (2) الجرحاني: أسرار البلاغة تحقيق هـ، ريتر) القاهرة، مكتبة المتنبي، ط 2، 1979 م) ص 102،101. (3) الزمخشري، الكشاف: 1/ 195.
133