الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

القرآنية هي التي طوعت ألفاظ اللغة لمختلف المعاني والأفكار، فأخرجت منها

صورة فنية مجسمة نابضة بالحركة والحياة.

وكذلك قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ) الآية [البقرة: 261]، فقد صور التعبير القرآني المعنى الذهني، وهو الأجر. للمنفقين في سبيله ومضاعفته إلى سبعمائة ضعف في صورة حبة كأنها ماثلة أمام عيني الناظر إحضاراً لصورة التضعيف في الأذهان يتمثلها خياله، فيرى الحبة تلقى في التربة الصالحة، فلا تلبث أن تكون زرعاً نضيراً سرعان ما يثمر سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، حتى كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته كما تنظر العين إلى هذه السنابل فيضاف الشاهد العيني إلى الشاهد الإيماني القرآني، فيتجه بالضمير البشري إلى البذل، فتسخو نفسه بالإنفاق.

ولم يكتف القرآن بهذا التصوير لحال المنفقين، بل يتبعه بما يزيد تقريره ووضوحه، فيورد مشهدين متعاقبين: يصور الأول إنفاق المرائي وعاقبته، ويبرز الثاني إنفاق المخلص وثمرته.

فيصور حال المنفق رياء بقوله: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلد ا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} الآية [البقرة: 264] تشبيه تمثيلي يشبه حال المنفق ماله رياء في عدم حصوله على جزاء لإنفاقه، بحالة حجر أملس لا ينبت غطته طبقة خفيفة من التراب، نزل عليه مطر غزير؛ وبدلاً من أن يهيئه للخصب، والنماء إذا به يتركه أملس صلباً، لم ينبت به شيء، فالتغير بـ صفوان وهو الحجر الأملس، وما يوحي به من قساوة وجذب يناسب قلب المرائي، وخلوه من المعاني الإنسانية والرحمة، فلا يرجى منه نفع ولا فائدة، وقوله تعالى: {عَلَيْهِ تُرَابُ) إشارة إلى ما علق به من أثر الصدقة ولكنه كالغشاء الزائف سرعان ما ينكشف، ويتبدد ولا يجني من

(1) انظر البوطي: من روائع القرآن: ص 52، وانظر بدوي: من بلاغة القرآن، ص 219 (2) انظر ابن القيم: التفسير، جمعه محمد أويس الندوي، حققه محمد حامد الفقي (بيروت، دار الكتب العلمية) ص 154.

134