الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٣٥

ورائه خيراً لبطلانه وزواله (1).

ثم يمضي في التصوير لإبراز المعنى المقابل لمعنى الرياء فيصور حال المخلص في الإنفاق حتى تكون الموازنه واضحة:

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ

وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ

فَتَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ

وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

""

[البقرة: 265]

فهذا التمثيل يؤدي دوره في إيضاح المعنى في صورة مؤثرة قوية، وذلك بما تشمله من قيود في المشبه به تزيد الصورة تأثيراً وإيحاء يقنع العقل، ويستميل النفس ويستهوي الوجدان، فهو يشبه حال المخلصين في الإنفاق، وما يترتب عليه من مضاعفة الأجر بـ “ جنة بربوة " عالية أصابها المطر فازدهرت وآتت ثمرها مضاعفاً، فأن لم يصبها المطر الكثير كفاها القليل منه في إثمارها لطيب تربتها وكرم منبتها و التعبير “ الجنة وتقيدها بأنها “ بربوة " وهو المكان المرتفع، يلقى في النفس الشعور بالبهجة والسرور والإحساس بالجمال والنماء والخير؛ لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة الأهوية والرياح، وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها، فكانت أنفح ثمراً وأنضره وأكثره، و الجنة هنا تقابل الصفوان هناك، حيث الجذب والقساوة وهذا “ الوابل وهو المطر الشديد العظيم القدر مشترك بين الحالتين، ولكنه في الحالة الأولى يمحو ويمحق، وفي الثانية يربى ويخصب، وفي الحالة الأولى: يصيب صفوان، فيكشف عن وجه كالح كالأذى، وفي الثانية يصيب الجنة، فيمتزج بالتربة، ويخرج أكلاً، فإن لم يكن وابلاً فطلاً؛ لأن فيها من الخصب والاستعداد للإنبات ما يجعل القليل من المطر يهزها ويحييها، وتنويع المطر بين الوابل والطل، يشير إلى أن النفقة كثرت أو قلت تؤتى ثمرها مضاعفة في الأجر؛ بصدورها ابتغاء لمرضاة الله، كما يضاعف المطر الكثير، أو القليل ثمر الجنة؛ لكرم منبتها وطيب مغرسها (2)

فهذا مشهد كامل متقابل المناظر، منسق الجزئيات، معروض بطريق معجزة التناسق

(1) انظر التفسير القيم لابن القيم: ص 160، وأسلوب الدعوة القرآنية: ص 202.

(2) انظر التفسير القيم: ص 160، 161.

135