الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

والأداء ممثل بمناظره الشاخصة لكل خالجة في القلب، وكل خاطرة مصور للوجدانات بما يقابله من الحالات والمحسوسات فقد اعتمدت الصورتان على

الواقع الحسي؛ ليكون التأثير أبلغ وأشد وقعاً وتحريكاً للعقل والمخيلة. وفي ذلك مبالغة في إيجاد العمل بمقتضى النهي، والتذكير بالإيمان الذي يقتضي الطاعنة والاستسلام وهي تصرح بأن المن والأذى يبطلان ثواب الصدقة ويمحوان أثرها. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم

مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأَوَلَتَبكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ والحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحَ فِيهَا

صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا

ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117،116]].

فالقرآن لم يعبر عن معنى هذه الآيات تعبيراً ذهنياً وصورياً، بل عرضه في مشهد تصوير حافل ينبض بالحركة، ويفيض بالحياة، فدقة التناسق تكتمل في صورةة منتظمة، حيث التحمت صورة إنفاق أهل الشرك في الحياة بما لا يجد نقيراً، بصورة من يملك زرعاً قد تهيأ للإثمار، وهو ينتظر بسرور وشغف عطاءه، وإذاا بريح عاصفة تهب، فتحرق هذا الزرع بما فيها من صر فتذره حطاماً! وإذا الحرث كله يباب! ذلك مثل إنفاق الذين كفروا في هذه الدنيا، ولو كانوا ينفقون فيما ظاهره

(1)

الخير والبر وفي النهي عن ظاهرة عجزت القوانين الوضعية عن إبطالها يستخدم القرآن قوة البرهان وتأثير البيان فيقول تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسَ الآية [البقرة: 275] تصوير مرعب لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسِ ما أشنع صورة الممسوس الذي يصرعه الشيطان، وهو يعجز عن القيام فضلاً عن الحركة السوية والكلام،

إنها صورة للمرابي الذي يأكل أموال الناس بأشنع وسائل الكسب الحرام. وكقوله سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أَحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاس الحافا} [البقرة: 273]

(1) انظر السلامي، عمر: الإعجاز الفني في القرآن)،تونس، مؤسسة عبد الكريم عبد الله، ط 1، 1980 م) ص 202

136