الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

فهذا النص تصوير معجز لهذا النموذج البشري الذي يوحي به القرآن الكريم. إنهم فقراء أحاطت بهم واجباتهم ورمقتهم الحياة، ولكنهم يسترون حاجتهم وتمنعهم كرامتهم أن يسألوا الناس ما يدفعون به فقرهم، تعففا، وإذا سألوا فإنهم

لا يلحون.

وكقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبسُطها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا) [الإسراء: 29] فالآيات تصور حال البخيل في امتناعه عن الإنفاق، وحاله في الإسراف والتبذير تصويراً محسوساً، يرسم البخل والإسراف في صورة بغيضة منفردة، يد مغلولة إلى العنق لا تقدر على الحراك، ولا تستطيع أن تمتد بإنقاق ولا عطية، فهي مضمومة إلى العنق بطوق من حديد، ويد مبسوطة كل البسط لا تمسك شيئاً، فإذا الذي يبعثر ماله يميناً، وشمالاً دون مراعاة لما فيه مصلحتة، مآله الندم والحسرة، ويرسم نهاية الإسراف قعدة المذموم من الخلق والخالق النادم المنقطع الذي لا شيء عنده، هكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى قوياً مؤثراً. كما أن التلازم الوثيق الذي لا يتخلف أبداً بين التعبير، وأن هذا التعبير لا يصلح إلا لهذا المعنى (1) وقال سبحانه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَما ربياني) رَبَّيَانِي [الأسراء: 24] تصوير معنوي، حيث جعل للذل جناحاً؛ وذلك لما توحيه كلمة “ الذل من الانكسار والضعف، وكلمة " الجناح “ من رفعة، فهذه المناسبة الدقيقة في قوله تعالى: " واخفض “ تشيع عمقاً فلسفياً في دلالة الآية تنبهر دونه الأنفاس؛ وذلك بما تترك في نفس الإنسان من شعور بالنزول إلى مستوى أبويه الضعيفين، مظللاً إياهما باللين والرحمة والحب والإشفاق - ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين، بحيث لايبقى الولد من لهما الاستكانة مركباً، احتيج من الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى، فاستعير الجناح؛ لما فيه من المعاني ما لا تحصل إلا من خفض الجناح لأن من قيـ يل جانبه إلى جهة

66

(1) انظر الجمل، سليمان: الفتوحات الإلهية (القاهرة، مطبعة الاستقامة ط 1996 م) 2/ 623.

137