الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٤١

والمتأمل في هذه القضية يلاحظ أن حرفية النص تؤدي إلى تضييق دلالته، وسوء

فهم المتلقي، لا سيما إذا كان متعدد العصر، والثقافة، والبيئة، والبنية الفكرية، فما يخاطب به العرب الذين نزل عليهم القرآن سيخاطب به غيرهم على اتساع رقعة العالم وتنوع مظاهرها الحضارية، واختلاف معالمه الزمانية والمكانية، فلا مناص من أن يكون النص حاملاً للدلالة التلميحية التضمنية والتلازمية مع الدلالة التطابقية الظاهرة.

والجمود على حرفية النص هو الذي جعل النصارى يحرفون المعاني إلى مقاصد غير مراده في روح النص، وإن كانت مذكورة في ظاهر النص ككلمة الأب التي سيقت للدلالة على الرحمة والحنو، فحملها المتلقون من الحرفيين على معنى الأبوة، فكان فساداً في العقيدة، وطعناً في الدين.

فمن محاسن التأويل أنه يعقد الصلة بين العقل والوحي، ويوسع آفاق المعاني ويزيد في بيان وحدة المقاصد بين أجزاء النص الذي نزل ليكون منهاج حياة غير محدودة بتوقيت زمن، ولا بمحدودية مكان.

وإذا كان التأويل أمراً لا مندوحة عنه، فأنه مجال لاجتهاد العقول التي تتفاوت في الفهم، ويكون التوفيق أقرب لمن يوافق تأويله الأصول والقواعد اللغوية الشرعية التي اتسم بها النص، وهي الشواهد التي نصبها الشارع نفسه للمجتهد، تأكيداً لمطفياتها، وفي هذا المعنى يقول ابن رشد: “والسبب في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن - المعاني التدقيقية، والمرامي البعيدة التي يستقل بفهمها العلماء - هو اختلاف نظر الناس، وتباين قرائحم في التصديق، والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه، هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينها (1) أي انتهاج سبيله العقلي للتنسيق بين معاني النصوص، ولا سيما عند استنباط الأحكام منها.

(1) ابن رشد، الحفيد: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق: محمد عمارة (القاهرة، دار المعارف، ط 2 بدون تاريخ) ص 34،33.

141