الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

ومثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ

وَ آخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} الآية [الأنفال: 60] فالشارع هنا قد يقصد من الخطاب العام، وجهين من العموم والخصوص في وقت واحد، مما يشبه أن يكون فيذلك شيء من التناقض، غير أن إعمال العقل في مورد الطلب المتضمن في الخطاب، يرى لإيجاد الفعل، وهو الجهاد بقطع النظر عمن يقوم به، وهو ما يطلق عليه الفروض الكفائية، وهذا يتطلب – عقلاً وسيلتين:

أولاهما تهيئة الوسائل والأدوات الملائمة والضرورية، والناجعة لإيجاده كإعداد الجيش؛ ليبلغ الكفاءة القتالية على أرفع مستوى من التقنية، وهذا مورد العام، ومتعلقة؛ ولذا جاء الخطاب فيها عاماً موجهاً إلى الكافة؛ ليقوموا بإعداد هذه

الوسائل.

والثانية: المتخصصون في العلوم العسكرية، للقيام بتحقيق ذلك العمل المفروض وهو " الجهاد (1)

فدور التأويل التصرف في معنى العموم المتبادر من ظاهر اللفظ، ولكن النظر العقلي، تصرف في العام في وجوه البيان مما للعقل دور في تبيين تلك الوجوه، على أن هذا التأويل لا يتنافى مع وجوب تدريب القادرين على حمل السلاح، من الرجال و النساء على السواء، إذا اقتضى الحال ذلك، حين يصبح فرض الجهاد عينياً - لا كفائياً فحسب - وذلك في حالة مداهمة العدو المغتصب ديار المسلمين، واحتلال جزء من أوطانهم فعلاً، عنوة وبقوة السلاح، إذ يتجه الخطاب حينئذ إلى القادرين من أفراد الأمة كافة، بل ويتعين ذلك، كسراً لشوكة العدو، ودحره وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) [البقرة:191] ومن النصوص التي يجب تأويلها على معانيها المقصودة لا على مقتضي ظاهر لفظها ما جاء في قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195] وهو ضرب من التأويل لظواهر الأمثال التي

(1) انظر الدرني، فتحي: دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر: ص 303 (2) انظر م، ن: ص 303، 304.

142