الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٤٩ولما كان القرآن هو الكتاب الإلهي الذي صدرت عنه عقائد الدين الإسلامي وشريعته وانبثقت منه أخلاق الإسلام وآدابه.
من أجل ذلك اتجهت جهود المناهضين للإسلام قديماً وحديثاً إلى محاولة زعزعة الاعتقاد في أصل القرآن، ومصدره، فالوثنيون بذلوا قديماً جهدهم في مقاومة فكرة أن القرآن وحي من الله فزعموا (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ اخَرُونَ} [الفرقان: 4]، وأنه أسطيرُ الأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5]، وأن محمداً إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرُ) [النحل: 13]، أو أن القرآن قول ساحر أو كاهن، وكانوا يقصدون من وراء ذلك كله إلى إبطال القول بأنه وحي السماء إلى محمد - صلى الله عليه وسلم لهداية البشر. وعلى نهجهم سار أكثر المستشرقين فشككوا في مصداقية المصدر الإلهي للقرآن الكريم، وحاولوا أن يثبتوا أثر المصادر السابقة في القرآن، وأرجعوا مصادر القرآن إلى عوامل داخلية وخارجية وردد كثير منهم اعترافات الوثنيين رغم دحض القرآن لها.
فيرى المستشرق المجري (جولدزيهر) (1)، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خلال النصف الأول من حياته اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكاراً أخذ يجترها في قرارة نفسه وهو منطو في تأملاته أثناء عزلته، واختلطت هذه الأفكار بما يلاحظه من قساوة الحياة واضطهاد الفقراء، وطغيان الأغيناء بمكة، فتملكه شعور بأن الله يدعوه بقوة تزداد شيئاً فشيئاً ليذهب إلى قومه منذراً إياهم بما يؤدى بهم ضلالهم من الخسران المبين (2). والمستشرق (جورج سيل) (3) في مقدمة ترجمته الإنجليزية لمعاني القرآن التي صدرت عام 1736 م
(1) اجنيس جولد تسهير [1850 - 1921 م] مستشرق مجري يهودي درس في برلين، ولا يبسيغ، وبودابشت، والأزهر، (انظر بدوي: موسوعة المستشرقين، ص 119، وأنظر العقيقي: المستشرقون: 3/ 41،40) (2) جولدزيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمه: محمد يوسف موسى وآخرون (بيروت، دار الرائد العربي ط 1946 م) ص 7. (3) سيل، جورج [1697 - 1736] مستشرق إنجليزي، محام درس العربية في أوقات فراغه، واقتنى مجموعة وافرة من مخطوطاتها، أودعت المكتبة البودلية، واشتد اهتمامه بالإسلام حتى وصف بأنه نصف مسلم (انظر العقيقي المستشرقون 2/ 47).
149