الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٦٥قبل، ظاهرة لديه لم يخف شيء منها عليه، والجديد في النسخ إنما هو إظهاره تعالى لعباده لاظهور ذلك له (1).
فحكمة النسخ تتجلى في تحقيق مصالح الناس التي هي المقصود الأصلي في تشريع الأحكام (2)؛ لأن هذه المصالح تتحقق في بداية دعوة الإسلام، حيث يتم ترويض نفوس المكلفين الذين لم يتعودوا على بيئة إسلامية من قبل، فتتقبل قلوبهم وعقولهم الأحكام الأولى؛ لخفتها، أو ملائمتها لأحوالهم وطباعهم قاعدة متأصلة وميولهم ثم ينزل الحكم الثابت الذي لا يقبل التغيير، والذي يصبح في المجتمع الإسلامي القائم على قواعد الكتاب والسنة، ألم تر أن فقهاء القانون إذا أصدروا مواد قانونية جديدة لتنظيم المجتمع، أفسحوا المجال لها بالتمهيد، وتجنب الفجاءة بإيقاف القوانين القديمة حتى يألف الناس ما يلقى إليهم، وتلك الحكمة في الدعوة والتشريع كما هي حكمة في العلم والتربية. ومعلوم أن المشرع الناجح لا يعامل الناس في مرحلة الانتقال بالطريقة التي يعاملهم بها بعد أن وصل نضجهم إلى مرحلته الأخيرة.
وهذا يبين لنا أن النسخ في القرآن يدل على وجود الوحي في الزمان الذي يدخل فيه بالتطور دون أن يكون منحصراً في دورة من دوراته؛ ولكي يكون الوحي مهيمناً على الزمان أراد الله لأصوله أن تكون مجملة متسمة بالثبات، وأراد لبعض نصوصه المنظمة للسلوك الإنساني المتغير أن تتحرك في مجال التبديل في بعض أحكام محدودة القدر، ومحصورة الدلالة حتى تعطى إذناً من المنزل سبحانه وتعالى إلى المجتهدين من الفقهاء في أن يستنبطوا للحوادث الزمنية
المستجدة أحكاماً توافقها من الأحكام التشريعية الثابتة في مجال النص. فالنسخ: مدرسة في تربية النفوس على التآلف مع التشريع وليس تناقضاً بين النصوص الشرعية كما يزعم المستشرقون.
1 - انظر الزرقاني: مناهل العرفان: 2/ 198، 199. 2 - انظر شعبان، زكى الدين: أصول الفقه الإسلامي، ص 396.
???