الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٧

تمهيد

ضرورة التشريع السماوي

يسير الإنسان في هذه الحياة منذ بدء الخليقة وراء حاجاته الشخصية المتعددة، وتحت تأثير ميولاته الغريزية المختلفة، ولأنه مدني بطبعه، كانت الحياة الإنسانية حياة جماعية يسد كل فرد منها ثغرة في بناء المجتمع، وقد جبلت النفوس على الأثرة، وأشربت حب الذات، فكل امريء يبغي أن يستوفي حظه، ويحرز أكبر قسط من اللذة). من أجل هذا طبع الله الجماعات البشرية منذ القدم على الشعور بحاجتها إلى وضع النظم التي تلم شعتها وترفه عليها الحياة، وتحفظ عليها أسباب النهوض والإنسان مهما بلغت مداركه، فهو محدود الفكرة لا يعلم مقاصده، ولا يخضع للنظام الوضعي خضوعاً تاماً، ولا تتربى نفسه على الآداب ولاتصاغ على الطاعة إلا تحت تأثير قوة قاهرة، فكان من الضروري أن يأتي الحل الذي يعتمد عليه في دفعه إلى الخير وردعه عن الشر، من خارج عالم الإنسان من جهة عليا، هي ذات الله عز وجل، فهو الذي منع الإنسان بسر الإرادة، وأولاه القدرة على التحرك سعياً وراء تحقيق مراده، وهو المرجع الأول، والأخير في تنسيق العلاقات الإنسانية، وتنظيم الحقوق الفردية والجماعية، وتحصينها ضد الرعونات الداخلية والمطامع الخارجية، فالإيمان بالله بكل مقتضياته هو السبيل الى تمكين الأخلاق في النفس الإنسانية باتفاق الحكماء (2).

وبهذا يظهر لنا أن الأخلاق قائمة على أسس دينية، وذلك عن طريق التكليف الملزم القائم على عنصر الاعتقاد ضماناً لعدم الانحراف في ممارستها، وتوطيد

1 - انظر ابن خلدون، عبد الرحمن المقدمة (القاهرة)، دار نهضة مصر للطبع والنشر ط 3) 1/ 337 2 - انظر ابن رشد، الحفيد: تهافت التهافت تحقيق سليمان دنيا (القاهرة)، دار المعرفة، ط 3) 2/ 865.

17