الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٧٢الأزمان حيث حاول أن يضفي عليه طابع العصرية واتخذ وسيلة إلغاء فرضيته بهذه القاعدة وبأن الجهاد الآن يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة، وشريعة حقوق الإنسان، ويصادم روح العصر (1).
إن تشريع القتال أمر متقدم في الأمم، فلولاه لما صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات ولتغلب على الحق في كل أمة، ولما بقي الدين الذي يذب عنه، قال تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بعض دِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَتَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا} [الحج: 40] أي: لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد -صلى الله عليه وسلم- المساجد (2). فجميع الأمم الحديثة تلجأ إلى الحرب من أجل تأمين حضارتها، وضمان حرية وكرامة شعوبها، وهو ما عبر عنه ميثاق الأمم المتحدة الذي حاول أن يضع أسساً لإقرار السلام الدولي تمهيداً لإطفاء نار الحرب، فقد عبر الميثاق عنه في الديباجة، وفي الفقرة (1) من المادة (1) حين قال: وأن تكفل بقبولنا مبادئ معينة ورسم الخطط اللازمة لها ألا تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة (3). والجهاد من المصطلحات الشرعية التي تضبط مفهوم الحرب في مجال حماية الحق، فقصد الإسلام من القتال دفع الظلم والفساد وتثبيت الصلاح في النفوس، ونشر العدل في المجتمعات، ببذل أقصى ما يمكن من جهد ومال؛ من أجل هذا الهدف الذي يسمو فوق الأغراض الذاتية والمادية المحدودة.
وأول ما يطالعنا في القرآن من دلائل بطلان هذه الشبهة، قوله سبحانه وتعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} [البقرة: 256] وقوله: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]، وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِرُ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21].
1 - انظر الزحيلي، وهبه: آثار الحرب في الفقه الإسلامي بهامش ص 95، وانظر المقال الذي نشر في مجلة حضارة الإسلام لمصطفى السباعي: بعنوان الاستشراق والمستشرقون، عدد 10، سنة 3 مايو 1963 م. 2 - انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 12/ 70.
-
نقلا عن النظام الدولي والسلام العالمي - إينس كلود، ترجمة: عبد الله العريان (القاهرة دار النهضة العربية، ط 1964 م. الملحق الخاص بميثاق الأمم المتحدة – ص 654).
172