الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٧٣

وقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَا مَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مؤْمِنِينَ} [يونس: 99].

""

فالقرآن هنا صريح في نفي الإكراه في الدين، وصرح في التشديد على حرية الاعتقاد، فهو شيء يخص الإنسان وحده، والواجب على المسلمين هو إبلاغ الدعوة إلى جميع الناس ثم تركهم بعد ذلك، قال سحبانه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) [القصص: 56] ويقول: ﴿أَفَأَنتَ تُمِعُ الصُّمَّ أو تَهْدِى الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزخرف: 40] وقال: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلَّ عَلَيْهَا وَمَا أنا عَلَيْكُم بِوَكِيلِ﴾ [يونس: 108] فالعقيدة محلها القلب ولا تستطيع أي قوة أن تغيرها إلا بطريق الحجة والأثر الروحي؛ ولذلك فإن مهمة الرسول -- تنحصر في الموعظة بالرفق واللين والمجادلة بالبرهان كما في قوله تعالى: وَحَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] وغيرها من الآيات الموافقة لها في القصد، وأقر المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون بهذه الحقيقة فقال: إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام واتخذوا العربية لغة لهم؛ فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين مالم يروا مثله من سادتهم السابقين“ (1)، ومن مواقفة التي تتجلى فيها حرية العقيدة العهد الذي أعطاه لنصارى نجران في اليمن حين قال: بأنها وحاشيتها في جوار الله، وذمة رسوله على أنفسهم، وملتهم وأرضهم وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم، وتبعهم، لا يغير أسقف من أسقفيته ولاراهب من رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين (2) وقد أشار “توماس کارليل (2) في كتابه (الأبطال) إلى أن اتهامه بالتعويل على السيف، في حمل الناس على الاستجابة لدعوته خطأ فادح واتهام جائر، وأرجع سبب انتشار دعوته إلى قوتها وتمكنها من القلوب، وأنها الحق الذي ينشر نفسه بأية طريقة

حسبما تقتضيه الحال،

1 - حضارة العرب، ص 127، 128.

2 - انظر ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدى خير العباد · بيروت، مؤسسة الرسالة، والكويت مكتبة المنار الإسلامية: 3/ 635). - توماس كارليل (1795 – 1881) مستشرق إنجليزي، من اشهر مصنفاته: الأبطال (1840) وقد عقد فيه فصلا رائعاً عن النبي نقله إلى العربية، علي أدهم، وكذلك له الثورة الفرنسية وغيرها (انظر العقيقي: المستشرقون: 2/ 55). 4 - انظر كتابه الأبطال، ترجمة: علي أدهم (بيروت، دار الرائد العربي، 4، 1982 م) ص 79، 80.

173