الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٧٨عتق الرقبة في الكثير من المناسبات والقربات، وجعلها تطهيراً لبعض الآثام، كما في كفارة اليمين فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ [المائدة: 89] جعلها في كفارة الظهار ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِّسَابِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رقبة﴾ [المجادلة: 3].
وجعلها في كفارة القتل الخطأ فقال سبحانه وتعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] كما جعلها كفارة للفطر في رمضان). وجعل عتق الرقبة وجهاً من الوجوه التي تصرف فيها الزكاة إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} الآية [التوبة: 60] وجعل تحريرها قربة من القرب التي بها يصل الإنسان إلى رضى ربه (2) فَلَا أَقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْعَقَبَةُ الآيات [البلد: 11، 12، 13] وَمَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَنكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ)
[البقرة: 177].
والحق أن القرآن لم يغلق باب الرق، بل ضيق فيه وجعله محصوراً في أسارى الحرب، وذلك من أنجح المعالجات الإلهية لأثر خطير من آثار الحرب سواء في حفظ قوة الأمة المنتصرة أو في حفظ حياة مجتمع الأمة المنهزمة فلو نسخ الرق؛ للجأ المسلمون في معالجة اثار الحرب إلى قتل الأسرى مضطرين خوفاً من ظهورهم عليهم، ولكن استعبادهم يجعلهم تحت سيطرة المسلمين فلا يفكروا في العدوان، ويحفظ لهم حياتهم آمنين وإن كانوا أذلاء، طامعين في الحرية حين ينعم عليهم بالعتق وهم مخيرون في اعتناق دين الحق
وقد أنصف فريق من المستشرقين والمفكرين الغربيين التشريع القرآني، فأقر بعجز البشر عن الإتيان بمثله، وشهد له في المجامع القانونية، والمؤتمرات الدولية، ومن ذلك قول “إدوار مولييه“: القرآن في الحقيقة ذو قيمة خارقة للعادة
1 - فقد روى أبو هريرة أن رجلاً أتى النبي - - فقال: "هلكت يا رسول الله، قال: ما شأنك، قال: وقعت على أمرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله هل تجد رقبة تعتقها قال لا .. الخ والحديث تقدم ذكره، رواه البخاري في كتاب الصوم: انظر صحيح البخاري بحاشية السندي: 1/ 331. 2 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيما رجل أعتق مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً منه من النار" رواه البخاري في كتاب العتق انظر صحيح البخاري بحاشية السندي: 2/ 79.
178