الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٩تأثيرها في الإنسان، ولا يمكن أن تطبق الأخلاق تطبيقاً عملياً دقيقاً في السر والعلن إلا إذا اتخذ هذا الأساس في قلوب البشر مكاناً وآمنوا به إيماناً صادقاً (1)، ففكرة الالتزام بالأخلاق مصدرها ديني قائم على الثواب والعقاب، فلا يمكن أن توجد الأخلاق كقوة فاعلة في المجتمع دون قوة الالتزام، لأنه العنصر الجوهري الذي يدور حوله كل النظام الأخلاقي (2).
والتشريع القرآني يقوم المعايير الأخلاقية تقويماً دينياً ويجعل وجه ضرورة الالتزام بها الإيمان بالله بكل ماتستلزمه من تبعات ومكملات، وهو يفترض حرية الاختيار للإنسان، فهو يكلفه، ولكنه لا يلقيه كأمر تعسفي أو تحكمي، بل يخاطب الضمائر ليحصل على موافقتها، مع إبراز المثل الأعلى في ذاته، ليدعم به شرعيته (4)، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة 255) وقال: أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس:99) كما أن هذا
التكليف لا يخرج عن حدود الطاقة البشرية، وإنما هو في الإنسان وطاقته خاضع لإرادته ميسر في واقع الحياة قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (البقرة 286) وقال أيضاً: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَيَّ) الآية (الحج (78). وتنبثق عن فكرة الالتزام فكرة المسؤولية، لأن الإنسن لن يحاسب على أفعاله إلا بعد أن يكون قد علم مسبقاً بأحكامها، وكان واعياً لها أثناء سلوكه {وَكُلَّ إنسن الزمنه طير و في عنقه ونخرج له يوم القِيمَةِ كِتَباً يَلْقَتْهُ مَنشُورًا لله أقرأ كَتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليومَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) الإسراء (13، (14) وقال: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ ﴿أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر (93:92) فهو حر في اختياره، مما يترتب عليه قضيه الجزاء، لان القانون الأخلاقي الذي يلزمنا ويضعنا أمام مسؤولياتنا، يجب أن يضم نظاماً لتقدير مواقفنا وأعمالنا، ومن هنا فإن القرآن يربط بين هذه القضايا برباط وثيق، فالمسؤولية الأخلاقية هي مسؤولية جزاء، والجزاء جزء من العقيدة (4)
1 - انظر الكسيس كارل: تأملات في سلوك الإنسان، ترجمة محمد القصاص، ص 140 2 - انظر دراز، دستور الأخلاق في القرآن (بيروت، مؤسسة الرسالة الكويت دار البحوث العلمية: ط 3، 1980) ص 21.
- انظر م، ن: ص 65 وما يليها. 4 - انظر دستور الأخلاق: ص 171.
19