الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٢٠فعنصر الاعتقاد مؤيد قوي لفكرة الالتزام في مفهوم الأخلاق، فإن الإيمان بالله وبالحياة الأخرى، وما فيها من ثواب للمحسن، وعقاب للمسيء، إلى جانب الجزاء الدنيوي المتمثل في المتابعة القضائية، ورسم العقوبات الحدية والتعزيرية، وهذا ما قضى به التشريع القرآني، وهو المبدأ الذي تخضع له الأنظمة الوضعية وتقتضيه العدالة الاجتماعية، وترتفع به الأخلاق إلى الواجب الذي يتحتم الالتزام به لذاته وضعف الوازع الديني في القلوب هو أصل الخروج عن النظم الشرعية، والاخلاقيات التي تسودها إنما يرجع إلى فساد العقيدة، فالعقيدة غير الصحيحة هي مصدر الشر والبلاء الذي يقاس به الناس (1) فالعنصر الخلقي ملموس في كل جزئية من جزئيات تشريعه بالإجمال فالقرآن جاء حاضاً على مكارم الأخلاق
سير
وداعياً إليها. فتشريعات القرآن جاءت لتصلح الإنسان عن طريق الأخلاق المرتبطة بالعقيدة التي تمثل قمتها التقوى، وإذا ماتم إصلاح الإنسان فإن الحياة كلها تصبح صالحة، لأن ما يفسدها إنما هي أعمال الإنسان الصادرة عن أخلاقه (2).
إذ المقصود من النظم الشرعية هو غايات أخلاقية، فالعبادات تعظيم لله تعالى، وشكر له على نعمه، وهدفها كرامة الإنسان وحريته، فلايذل إلا لخالقه، الذي هو وحده من ينبغي شكره والخنوع له.
-
أما نظام الشريعة المتعلق بتلبية الغرائز التي ترجع إلى أساسيات الحياة من طعام وشراب ونكاح فإن أحكام الشرع قد ضبطها بكيفية هدفت من ورائها إلى العفة أي السمو بالإنسان عن نهم الحيوان وهمجيته.
والغاية من نظام العقوبات تحقيق الأمن للناس في أبدانهم وأموالهم وأعراضهم، وذلك بإقامة العدل والقضاء على العدوان والظلم.
والغاية من المعاملات المالية بما في ذلك نظام العقود والتبرع والصدقات وكذلك محاربة تجميد المال والجشع والأنانية التي تفضي إلى الظلم
الزكاة هي
1 - انظر ابن رشد، الحفيد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (بيروت، دار المعرفة، ط 1988/ 9 م) 476/ 2
2 - انظر ابن رشد، الحفيد: فضل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال تحقيق محمد عمارة (القاهرة، ط 2، د:
ت) ص 54، 55.
20