الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٣٢المعجزة بين العلم والدين
إن أية معجزة لابد أن يجتمع فيها إقناع العقل، وقهر القوى البشرية المخاطبة بحيث تلائم بين أحوال المخاطبين بها، ولا تعارض البديهيات التي بنيت عليها الأحكام العقلية الثابتة والتي قد يستدل بها على وجود الخالق والمخلوق، لأن الإعجاز تغيير مفاجيء يحدث في ظاهرة عقلية أو حسية (1)، لا من جهة نقض، قانونها، بل من جهة التأثير فيها بالإبقاء أو الإلغاء أو الزيادة، أو النقصان، أو. التحويل على نحو لا يقدر عليه البشر، فهي تخالف القوانين الطبيعية، ولاتخالف. القونين العقلية، وقد أنكر كثير من الفلاسفة، وأصحاب العلم المادي المعجزة وكذلك فعل بعض العلماء المسلمين المحدثين في إنكار أنواع من المعجزات، حيث بهرتهم الحضارة الغربية، واكتشافاتها في مطلع هذا القرن (2).
1 - ليس هناك فرق بين المعجزة العقلية، والمعجزة الحسية أو الكونية إلا أن يراد من المعجزة العقلية ما يكون منشؤه التفوق العقلي المنقطع النظير لمن أتي بالمعجزة فلا يخرج على سنة الكون، وإنما يكون مبلغه أسمى ما يستطيع أي إنسان أن يبلغه. والذين فرقوا بين النوعين أنكروا المعجزة الكونية.
2 - ترددت في كتابات المحدثين هفوات أرادوا بها مضاهاة المذاهب المادية، وإرضاء أهلها، وذلك بتأويل المعجزات وقد سار في هذا الطريق كل من محمد عبده، ورشيد رضا، ومصطفى المراغي، وفريد وجدي ومحمد حسين هيكل، وقد أراد هؤلاء. العلماء أن يثبتوا أن للعقل مكانة كبيرة في الإسلام، وأن الخوارق والمعجزات باستثناء القرآن لا أصل لها في الإسلام جريا وراء الموجة الطاغية في عصرهم في الدعوة إلى العقلانية وبدافع ذلك الافتتان الجديد، وبدعوى الأخذ بالطريقة العلمية فيب البحث شككوا في قيمة السنة فأولوا المعجزات وانكروها ليجعلوا حياة الأنبياء عادية لاتختلف عن حياة الحكماء والعظماء والعباقرة والمصلحين، وإن كان كل ذلك بدافع حسن، وهو ترغيب عقلاء الغرب في الإسلام، وتحبيبه إلى قلوبهم، ومنن عقولهم، فكأن المعجزات الكونية والروايات عنها في كتب الحديث والسيرة أصبحت عيبا على الإسلام وحياة نبيه- عليهه الصلاة والسلام- ولمن أراد أن يطلع على مقالاتهم والرد عليها – فلينظر:
«مجلة نور الإسلام» العدد الثاني، م 2،ص 77، 78 وما بعدها سنة 1931 م ومجلة الأزهر 3 المجلد 11 والمراد على هذه الشبهات وانظر موقف العقل والعلم مصطفى صبري (بيروت - دار إحياء التراث العربي - ط 2 - 1981 م) 4/ 943 وملا يليها وانظر فقه السيرة: للبوطي (دار الفكر / ط 7، 1978 م) ص 116 ومايليها.
32