الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٤٣من تصريف القول، فهو ينوع في أساليب بيانه لتلك الأحكام والتشريعات ويغاير في عباراتها وصيغها بما يقتضيه بلاغته التي أفحمت البلغاء، وأعجزت أهل الفصاحة والبيان إلى جانب إعجازها أصحاب الفكر والتشريع، وذلك كله حتى لا يحس المتلقي لتلك الشرائع والأحكام أو السامع بأدنى ملل أو قصور، وحتى لاتسأم النفوس هديه ولا تستثقل حديثه (1)
قال فخر الدين الرازي (2) إن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطا بعضها بالبعض ليكون كل واحد فيها مقويا للآخر ومؤكداً له» (3)
وقال محمد عبده (4) (إن القرآن ليس كتاباً فنياً، فيكون لكل مقصد من مقاصده باب خاص به، وإنما هو كتاب هداية ووعظ، ينتقل بإنسان من شأن من شؤونه إلى آخر ويعود إلى مباحث المقصد الواحد، المرة بعد المرة، مع تفنن في العبارة والتوزيع في البيان حتى لايمل تاليه وسامعه من المواظبه على الاهتداء» (9) القرآن لا يكتفي ببيان الأحكام وتوضيحها على سنن في القوانين الوضعية، والدساتير البشرية ولكنه يوجه الجزء الأكبر من عنايته إلى النفس الإنسانية، وفي الوقت نفسه يتوجه إلى جوانب الشر فيحد من سطوتها ويغل من حدتها ليجد الخير سبيلاً إلى قيادة النفس وإلزامها المستقيم كما انه يلقى بأحكامه وتشريعاته
1 - انظر مناهل العرفان: 2/ 214 - 313
2 - هو محمد بن عمر بن الحسن، أبو عبدالله فخر الدين الرازي: الامام المفسر قرشي النسب، أصله من طبرستان، ولد في الري سنة 544 هـ وتوفي في هراه سنة 606 هـ (انظر الوفيات: 4/ 248 والبداية والنهاية 13/ 55 والاعلام: 313/ 6) الرازي، محمد: التفسير الكبير (مصر) المطبعة البهية، د. ت) 6/ 24.
4 - هو محمد عبده بن حسن خير الله من آل التركماني، مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال الإصلاح والتجديد في الإسلام ولد سنة 1266 هـ وتوفي سنة 1323 هـ (انظر الاعلام: 252/ 6)
ه رضا، رشيد: تفسير المنار (بيروت، دار المعرفة - ط 2) 2/ 452 وانظر مجلة (الري الإسلامي العدد 104 غرة شعبان
-
1393 هـ – 29 اغسطس (آب) 1973 م، ص 13)