الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٤٤يسمع
في أجواء مختلفة من الوعظ والهداية، وفي كل مرة يحسب السامع، وكأنه شيئاً جديداً، فيقبل عليه بشوق ولهفة دون أن يحس بسآمه أو ملل، وهذا منهج
فريد واستقلال بديع عن كل طرق البحث والتأليف ودليل من دلائل الإعجاز ومن أمثلة امتزاج البيان بالبرهان والبلاغة بالتشريع ما ورد في الايات الآمرة
بالانفاق في وجوه البر والحث عليه في القرآن في نحو ثمانين موضعاً (1). فلم تكتف بأن تسوق الأوامر التي تبين الأحكام، لان ذلك وحده لا يكفي في تحقيق الاستجابة من المخاطبين، بل نرى القرآن الكريم يوجه عنايته الكبرى لعلاج القلوب، فهو يدعو منذراً ومرغباً، كاشفاً عن الدوافع النفسية وراء السلوك مزينا لحب الخير منفراً من الشر (2). قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ
(26)
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُشْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
(البقرة: 260، 261) فسياق هذه الآيات يرسم دستور الصدقة عملا تهذيباً لنفس معطيها، وآخذها على السواء حيث الرحمة والرضا من الطرفين مما يتولد عنه التضامن الاجتماعي، الذي تعجز عنه قوانين البشر.
فتتطهر هذه النفس من المشاعر التي تورث الأحقاد وتزرع التمزق والصراعات. بين الفقراء والأغنياء وقد ثبت أن الفقراء في الطبقات السفلى من المجتمعات هم
1 - انظر عبدالباقي، فؤاد: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم بيروت، دار إحياء التراث العربي ط 1945 م) ص 715 .. 2 - انظر بركة عبد الغني: أسلوب الدعوة القرآنية (القاهرة)، مكتبة وهبة ط 1 (1983 م) ص 196 والباجقني، مصطفى:: منهج القرآن في تقرير الأحكام (طرابلس الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع ط 19932 م ص 343 - 344 وما بعدها.
44