الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٥٦والمستغرب أن ابن خلدون» (1) على مكانته الكبيرة في عالم الفكر في القرن التاسع الهجري، لم يضف شيئاً جديداً في الإعجاز، بل يجمع وينقل عمن سبقوه إلا أننا نستنبط مما قاله في كتابه «المقدمة» أنه ممن يقرون بالإعجاز التشريعي في القرآن فقد قال: واعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة «القرآن الكريم» المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: «القرآن هو بنفسه الوحي المدعى، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له - كسائر المعجزات مع الوحي، فهو واضح الدلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه» (3) ومعنى هذا القول أن النبي لحمل إلى الناس الشريعة وفيها المعجزة التي تشهد له بأنه رسول الله الصادق فيما يخبر عن ربه فمن قرأ آيات من القرآن الكريم، طالع فيها معجزة متحدية تشهد أنها كلمات الله وانه ليس لبشر أن ينطق بمثلها لا في الأسلوب ولا في المضمون.
ومن المحدثين الذي أشاروا للإعجاز التشريعي للقرآن «محمد رشيد رضا» وقد بين ذلك في العديد من كتاباته كالوحي المحمدي وتفسيره المعروف «بالمنار» فجعل هذا الوجه - التشريع - من أظهر وجوه الإعجاز، فإن علوم العقائد الإلهية والغيبية والآداب والتشريع الديني والمدني والسياسي فهي أعلى العلوم وقلما ينبغ فيها المنقطعون لدراستها السنين الطوال فكيف يستطيع رجل أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم ينطق بقاعدة ولا أصل من أصولها، ولانشأ في بلد علم وتشريع أن يأتي بمثل ما في القرآن منها تحقيقا وكمالا، ويؤيده بالحجج والبراهين (3) وقد تحدث عن ذلك عند تفسيره لآيات التحدي في سورة البقرة ويونس
•
1 - هو عبدالرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون، أبوزيد، الفيلسوف المؤرخ العالم للاجتماع البحاثه، أصله من إشبيلية ومولده بتونس، وتوفي بالقاهرة سنة 808 هـ (انظر الضوء اللامع: 4/ 145 ونفح الطيب: 6/ 171)
2 - ابن خلدون عبد الرحمن: المقدمة تحقيق على عبد الواحد وافي (القاهرة نهضة مصر للطبع والنشر ط 3) 1/ 403
- انظر رضا، رشيد: المنار، 1/ 206، 207.
"