الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٧١وكذلك الأمر في إجهاض الأجنة، ومنع النسل، وتقليله بصفة جماعية فهو ليس مما يتفق مع مقاصد التشريع القرآني فالله سبحانه وتعالى أرشدنا في كتابه إلى أن نقاوم كل ما من شأنه أن يمس بحياة الأفراد والجماعات تحت ستار من الأسباب الاجتماعية المختلفة، وذلك كوأد الأجنة في بطون أمهاتها خوفاً من الفقر، أو بسبب الحد من نمو الأمة فلا تحد بزعمهم مايسمونه بالأقل الحيوي والمجال الحيوي، فليس أحد أحق بالحياة من الآخر، وليس لأحد أن يمنع أحداً من الخروج للوجود أو المتمتع بالبقاء فيه إن خرج (1)
وتتحقق وتوجد هذه الحياة بالتزاوج الذي يؤدي إلى بقاء النوع الإنساني، والمحافظة على بقائها يتم بفرض العقوبة على القاتل وهو القصاص أو الإعدام، وذلك لأن حق الحياة مقدس، والاعتداء عليه يؤدي إلى إفناء البشرية وزجها في بحر من الدماء» (2)
فحفظ النفس في نظر تشريعات القرآن مصدر نفع عام مشترك أو مقصد أساسي ترتد إليه المصالح كلها في المجتمع البشري ولايتم هذا إلا على أساس وجوب أن يحيا الإنسان ضرورة، وأن تصان حياته صونا حقيقياً وجدياً وكذلك سائر حقوقه التي تنمي هذه الحياة، لما تعلق بها من مقاصد عليا (3) ولاشك أن كفالة حفظ حياة الإنسان تكفل له حقوقاً أخرى لاتستقيم إلا بحياته مثل: حركة الفكر والعمل، والتعمير وطلب السعادة، وبناء العلاقات الإنسانية والتنقل، حيث إن تلك الحقوق تختفي في ظل التهديد بالاعتداء على النفس
والأطراف.
فحفظ النفس من أجمل ما جاء به هذا التشريع «لأن الإنسان لم يتعود من الدين قبله أن يأمره بهذا الحق، وإنما تعود من أديان كثيرة أن تنهاه عنه، وأن تجعل
زهده في الأرض شرطا لحظوته في السماء» (4)
1 - الفاسي: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها – ص 229 – 230 - الزحيلي: نظرية الضرورة الشرعية: ص 53.
- انظر الذريني: دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر: 1/ 108 0
4 - العقاد، عباس: حقوق الإسلام وأباطيل خصومه (القاهرة)، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، د: ت) ص 140.
71