الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٨٤ثانيا: الخطاب التشريعي وملاءمة أحوال المكلفين:
يتمشى الخطاب التشريعي في القرآن الكريم مع الفطرة البشرية في كيانها الشامل المترابط إذ يجعل دستوره شاملا للعقيدة والواقع، فهو ليس خواطر صوفية خائرة ولا أفكار فلسفية حائرة، ولكنه منهج للحياة حسب قوانين الاجتماع التي سنها الله لخلقه، وما عمله الأسمى سوى التوفيق التام بين حق الجسد وحق الروح في الحياة الإنسانية، وبين الحياة الفردية بجميع تفصيلاتها والحياة الجماعية في كل نواحيها، وبين الجريمة الضارة والعقوبة الرادعة، فكلها تنبع من منبع واحد، وتتجه وجهة واحدة .. فلا يختص بالحياة الواقعية دستور مستقل بالحياة التعبدية ناموس مخالف. ولا يعاقب الجاني إلابما يستحقه، وعلى قدر جريمته مع ترك فسحة للعفو والصلح إذا كان فيها زجر وجبر، فهو دستور واحد يشمل هؤلاء جميعا، وتصدر عنه التشريعات جميعا على أساس التوازن والشمول والعدل والكمال فلا يتفرق الإنسان ممزقا بين واقعه وفكره، ولابين فرديته وجماعيته ولابين مبادئه وسلوكه، ولا بين دنياه وأخرته، وإنما يكون شخصا واحدا في هؤلاء جميعا، يتعامل مع القوى كلها بكيانه المجتمع المترابط، ويسلك سلوكه بذلك الكيان، وذلك أوضح دليل على أن هذا التشريع من الفطرة، ومظهر من مظاهر الإعجاز، لتمام التوازن فيه بين الخير والعدل والسعادة للفرد والأمة.
أ - الملاءمة بين الروح والجسد:
إن الإنسان مخلوق مزدوج الطبيعة، يقوم كيانه على عنصر أرضي، يتمثل في جسمه الذي يطلب حظه مما خرج من الأرض من متاع وزينة. وفيه عنصر سماوي يتمثل في روحه التي تتطلع إلى هداها مما نزل من السماء.
وإن أخطر ما قدمته بعض الفلسفات القديمة والحديثة من مفهوم عن الإنسان هو الفصل بين هذين العنصرين - الروح والجسد - وقد أدى هذا الفصل إلى إحدى نتيجتين: إما كبت الجسد، وإما كبت الروح وما لهاتين من انحرافات تفصيلية تندرج تحتها وجعل لكل منهما دستورا ومنهجا مختلفا عن الآخر.
??