الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٨٥

فهناك نظم وفلسفات أهملت الجسد واحتقرته ونبذته، وكبتت نوازعه الفطرية وضرورته القاهرة، فلا تقضيها أصلا، أو تقضيها بتقزز ونفور كالهندوسية (1) والبوذية (3) وأصحاب الرياضيات ومن نحا نحوهم من الديانات والفلسفات والعقائد فهؤلاء تحكمهم الروحانية في تقاليدهم وطقوسهم، وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمانية.

ونشأ عن ذلك اختلال داخل النفس واختلال في الحياة، فرانت السلبية على النفوس وتأخر المجتمع وانحسر التقدم والانطلاق. وهناك نظم وفلسفات أخرى أهملت الروح، ونبذت كل مايتصل بها من قيم فاتجهت إلى اللذة المحضة، فلا هم لها إلا الحظوظ الجسدية، كاليهودية، وكالإبيقورية (3) والمادية الأوروبية الحديثة، حيث كبتت الروح لتعلى من الإنتاج المادي والمتاع الجسدي، فوصلت إلى مايشبه الحيوانية في صلات الناس بعضهم ببعض من استعمار واستعباد واستغلال وهبوط خلقي وروحي في أمور الجنس

خاصة .. الحيوانية غير اللائقة بالإنسان).

وحيث تضل تلك النظم والفلسفات فتفصل بين نشاط الجسم ونشاط الروح، فإن التشريع القرآني يلتقي مع الفطرة على طبيعتها «فالروح والجسد في القرآن الكريم ملاك الذات الإنسانية تتم بهما الحياة ولاتنكر أحدهما في سبيل الآخر، فلا يجوز للمؤمن بالكتاب ان يبخس للجسد حقا ليوفي حقوق الروح، ولا يجوز له أن يبخس للروح حقا ليوفي حقوق الجسد، ولا يحمد منه الإسراف في مرضاة هذا ولا مرضاة ذاك ().

1 - نسق من الأفكار والمفاهيم التي سادت في الدين والأخلاق والفلسفة في الهند ويشمل مجال الهندوسية معظم العبادات والمذاهب الدينية التي تقوم على عبادة الإلهين فيشتو وسيفا. (أنظر الموسوعة الفلسفية: بإشراف روزنتال ويودين ترجمة کرم (بيروت دار الطليعة 5، 1985 ص 562).

2 - ديانة عالمية تبشر بالخلاص من الألم عن طريق ترك الرغبة، وتحقيق التنوير الأعلى الذي يعرف باسم النيرفانا وقد نشأت البونية في الهند في القرن السادس قبل الميلاد وهي منتشرة في اليابان والصين ونيبال وبورما وغيرها من البلاد (أنظر الموسوعة الفلسفية، ورزنتال: ص 91). 3 - نسبة إلى أبيقور فيلسوف مادي والحادي من العصر الهليني كان ينكر تدخل الآلهة في شئون العالم، ويعترف بخلود المادة التي تملك مصدرا داخليا للحركة (الموسوعة الفلسفية: ص 8).

4 - انظر قطب، محمد: دراسات في النفس الإنسانية (بيروت - دار الشروق - ط 10) ص 62، 63.

ه - العقاد، محمود: الإنسان في القرآن (بيروت، دار الكتاب اللبناني، ط 1، 1974 م) ص 383.

85