الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٨٨وكذلك الزكاة فهي لاتصح بأحد العنصرين دون الآخر، فلا تصح بالإنفاق دون طهارة النفس من الشح، والبذل عن طيب خاطر خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بَهَا) (التوبة (103) والحج كذلك أعمال جسدية وحركة روحية، ولا يصح بأحد العنصرين دون الآخر. لا يصح بدون الحركة الجسدية من توجه وانتقال وسفر وتجرد من المخيط والمحيط .. الخ
ولا يصح دون التزام التقوى والتطهر والخشوع {الْحَجُ أَشْهُرُ مَعْلُومَتُ فَمَن
فرض فيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوفَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَج} (البقرة 197). وبذلك يرتبط العمل بالعبادة ويمتزجان كامتزاج الجسم والروح في داخل كيان الإنسان فلا ينعزل بروحه حتى في عبادته - عن واقعه الجسدي، ولا يجعل العبادة رهبانية وعزلة عن الحياة (1).
وَابْتَغِ فِيمَاءَ اتَنكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةٌ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن
كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ} الآية (القصص (77).
فهذا التشريع الحكيم يلائم بين العنصرين معا قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة 143) أي أعطاها جميع حقوق الإنسانية، فإن الإنسان جسم وروح، وحيوان وملك، فكأنه قال: جعلناكم أمة وسطا تعرفون الحقين وتبلغون الكمالين (2)
لقد صدقت الأبحاث الاجتماعية الحديثة التشريع القرآني وكشفت عن مدى الخطر الذي يواجهه الإنسان حين يفصل بين العنصرين، فالانغماس في الملذات الجسدية وإهمال القيم الروحية أدى إلى تصادم هذه القيم المقطوعة من جذورها المشتركة وإلى الصراع المدمر العنيف والشد والجذب في داخل النفس بصورة تتلف المشاعر وتمرض الأعصاب، فوصلت حوادث الجنون والانتحار وضغط الدم والأمراض العصبية والنفسية إلى درجة لامثيل لها في التاريخ، كما هو مشاهد لدى المجتمع الغربي في عصرنا، فقد بينت هذه الأبحاث أن دول الرفاهية لاتزيد من
1 - انظر م، ن: ص 67، 68، 237.
2 - انظر رضا، رشيد: تفسير المنار 2/ 3.
88