الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٨٩سعادة الفرد كما هو متوقع، وإنما تضعف شخصيته وإحساسه بالمسئولية، مما ينتج عنه خلق شخصية متحللة، نعم لقد أعطت الحضارة زخرفها وبريقها الزائف من ثروة ومتعة، ولكنها عجزت عن أن تعطي النفوس حاجتها إلى السكينة والرضى والطمأنينة، التي تحول بينها وبين تدمير نفسها بالمخدرات والمغيبات، وتدفعها إلى الانتحار، أو تجعلها تسقط في هاوية الأمراض العصبية والنفسية التي لم تعد تحدث نتيجة الكبت فقط، ولكنها جاءت نتيجة الإسراف والاندفاع من غير ضوابط وقيود.
وكذلك الخطر في تعذيب الجسد، وهضم حقوقه، وحرمانه من جميع ما أعده الله له في الحياة، واختراع لأنواع الرياضات الشاقة التي تقضي على رغباته، فإن حرمان الجسد من حاجاته قمع للشعور السوي، وغمط لشفافية الروح. وبخلاف ذلك كله جاءت تشريعات القرآن متزنه متوسطة بين ذلك جامعة للعنصرين تدعو إلى المجاهدة والكظم ومواجهة الأهواء والمطامع والرغبات المذلة فهي تقوم على أساس الاعتراف بالرغبات النفسية والحسية والسمو بها حتى تتحقق المقدرة المادية، الموازنة للقوة الروحية فالمسلم لايقع مطلقا تحت تأثير عقد الكبت لأن الإسلام يترك لغرائزه مجالا سوياً راشداً يقود إلى بناء الشخصية ولايهدمها، فغريزة الجنس تتحرك في مجال الزواج المشروع
هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) (الأعراف 189) وغريزة التملك متحركة نحو غايتها في حدود الكسب المشروع قال تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ (البقرة (57) وغريزة التروع مهذبة بالجهاد وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُ وإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)
(البقرة 190).
وغريزة حب النساء والبنين غير محاربة في القرآن ولكنه حذر من الانحراف بها زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} الآية (آل عمران (14) ولكن هذا الترغيب المباح محفوف بالخطر عندما يلهى عن العبادة والجهاد والبناء إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} الآية (التغابن: 14).
89