الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٩٠ب- الملاءمة بين الفرد والجماعة:
لقد اضطربت كثير من النظم والفلسفات بين هاتين الترعتين الفردية والجماعية. بين مهتم بترعة ومهمل لأخرى، فبعضها يوسع دائرة الفردية حتى تصل إلى. الأنانية المرذولة، وإلى أدنى دركات الأثرة، وتفكيك روابط المجتمع وتشتيت
طاقاته.
وبعضها يوسع الدائرة الجماعية حتى تقضي على كيان الفرد وتكاد تلغي وجوده وتسلب حريته، وتتحكم في رزقه، وتزري بفكره وشعوره، إذ لاتحسب له كيان إلا بوصفه فرداً في القطيع. وتحولت هاتان النظرتان، إلى مذاهب متعارضة، ونظم متناحرة كل منهما يقوم على اتجاه.
فالرأسمالية (1) في الغرب كانت قائمة على أساس فردية الإنسان فتوسع له في حدود فرديته، وتترك له حرية التصرف في كثير من الأمور حتى يصل إلى حد إيذاء الآخرين وتدعه يعمل ويمر كيفما يشاء.
والشيوعية (2) في الشرق كانت قائمة على فلسفة جماعية الإنسان فتوسع في دائرة الدولة وتحجر على كل نشاط للأفراد، فتمنع اشتراك الناس في سياسة المجتمع وتفرض عليهم النظم والترتيبات بحجة انها أعرف بمصالحهم فلا تترك لهم سبيلا للاختيار وتحكمهم بالحديد والنار (3) فهذه النظم والفلسفات لا تحقق التوازن الذي تحققه تشريعات القرآن، فمن جهة عملت هذه النظم على تسخير الفرد لصالح الجماعة تسخيراً تاماً وأسقطت من حسبانها الكيان الفردي، والنوازع الشخصية، وجعلت الإنسان ترساً في آلة كبيرة يفني فيها. وأدى ذلك إلى تبديد جو التعامل والقضاء عليه، وتحويله إلى الاحتكار، ومن جهة أخرى تطلق 1 - الرأسمالية: هي الشكل الاقتصادي الذي حل محل الإقطاع وتقوم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج واستغلال في العمل المأجور، واستخلاص فائص القيمة هو القانون الأساسي للانتاج الرأسمالي، وفوضى الانتاج والأزمات الدورية والبطالة المزمنة، وفقر الجماهير، والمنافسة والحرب، هي الملامح المميزة للرأسمالية (روزنتال: الموسوعة الفلسفية: ص 284). الشيوعية: وهي المرحلة الأعلى للاشتراكية، وهي التي لا توجد في ظلها أية ملكية خاصة، بل ملكية عامة والملكية العامة في ظل الشيوعية هي ملكية الشعب (انظر روزنتال: الموسوعة الفلسفية ص 34)
2?
- انطر الخطيب، عمر: المسألة الاجتماعية بين الأسلام والنظم البشرية (بيروت، مؤسسة الرسالة طه، 1970) ص 183
90
\ AE.