الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٩١أخرى تطلق باسم الحرية الشخصية للنفس عنان الشهوات، وتحطم الأخلاق، ولا تعترف بحق أحد في توجيهه، وضبط تصرفاته، ولاشك أن الإبداع فردي في حقيقته، فإذا تسلط المجتمع على الفرد يحد من مواهبه وقدراته كما أن تسلط الفرد على المجتمع يولد الاستبداد والظلم. والتشريع القرآني لا يلغي شخصية الفرد ومقوماته ولا يتركها تتلاشى في شخصية الجماعة او الدولة وإنما يطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء.
والإنسان في منطق القرآن لم يخلق من أجل أن يحيا لنفسه، ومصالحه، بل ليحيا حياة جماعية يسد كل فرد منها ثغرة في بناء المجتمع فاتجه القرآن إلى تهذيب الفرد تهذيباً يقوم على الجانب الروحي، ثم اتجه إلى الأسرة، ثم إلى بناء الأمة، وإلى الارتباط بين الناس جميعاً على اختلاف نحلهم وألوانهم وألسنتهم وأوطانهم ارتباطاً ينشر المحبة والمساواة والسلام، فطريقته في تهذيب الفرد ترتكز على دعائم تتلخص في ثلاث: الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح، يقول الله
سبحانه وتعالى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَلِحَا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة (62) فعلى هذه الدعائم يقوم تكوين الفرد، فإذا اكتملت تمت شخصيته الروحية المنبعثة من اليقين الصادق بخالق الكون ومدبره (1)
قال تعالى: (فَعَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُتِيَ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ. وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الاعراف (158) وقال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْمَانَ يَهْدِى
لِلَّتِي هِيَ أَقومُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ هُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الاسراء: 9، 10) وقال سبحانه وتعالى {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِن فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل 97 ولأن الإنسان مدني بطبعه لايستطيع أن يعيش منفردا (2) اتجه التشريع القرآني إلى وضع الأسس القوية للحياة الاجتماعية وللراوبط بين الفرد
1 - انظر رضا، رشيد: الوحي المحمدي (مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر د: ت) ص 191، 193 2 - انظر ابن خلدون المقدمة: 1/ 337
91