الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٩٤وهذا شأن أي نظام جنائي وضعي يعجز عن الوصول إلى بعض ماقرره النظام الجنائي في التشريع القرآني ولعل السر في ذلك هو أن عقوبات هذا التشريع وضعت ملاءمة لطبيعة الإنسان (1) حيث حصرت الاعتداءات الخطيرة التي من شأنها أن تقضي على جوهر الضرورات الخمس في جرائم الحدود والقصاص .. فوضعت لكل جريمة مايناسبها من عقاب على قدر الجرم الذي وقع دون إفراط في الشدة. أو تفرط في الردع الحاسم (2) فهذه العقوبات «وإن كانت تبدو قاسية فليست بدرجة القساوة والألم الذي يحدثه المجرم في نفوس الأفراد من هتك للأعراض وإزهاق للأرواح وإدخال الهلع والفزع على النفوس الآمنة وهو لن يقف على إجرامه إلا إذا ارتدع بالعقوبة الملائمة التي يتذكرها قبل الإقدام عن ارتكاب أي جريمة فتجعله يكف عن إجرامه» (3)
يقول ابن القيم في ذلك «أحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما استحقه الجاني من الردع فلم يشرع لهم في ذلك إلا ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله لنزول النوائب وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان ويقتنع كل إنسان بما اتاه مالكه وخالقه فلا يطمع في استلاب غيره حقه» (4) فالتشريع الحكيم راعي مراتب العقوبات مع ما يناسبها من الجنايات جنسا ووصفا وقدرا مايليق بها من النكال، وجعلها كفارات لأهلها وطهرة تزيل عن الحياة المؤاخذة إذا أقدموا على الجناية (0). فمن الخطأ عد العقوبة في هذا التشريع غير عادلة او غير ملائمة ومتكافئة مع
1 - انظر عودة، عبد القادر: التشريع الجنائي الإسلامي (بيروت، مؤسسة الرسالة) 1/ 714. 2 - انظر البوطي، محمد: منهج العودة إلى الإسلام (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2) ص 412.
- الباجقني، مصطفى: منهج القرآن في تقرير الأحكام (مصراته الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع ط 2، 1993 م) ص
421
4 - ابن قيم الجوزيه: إعلام الموقعين عن رب العالمين: 2/ 96،95
ه انظر: م، ن: 096/ 2
94