الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٩٥الجريمة ومتفقة مع منافع الناس فالزنى» مثلاً مدمر لمصلحة «النسل» تدميراً جوهرياً مباشراً، ويحمل خبائث الأمراض إلى الأصحاء ويضيع الأنساب، وينحل المجتمع وتنحل معه الأسرة فوضع العقوبة على قدر هذه الآلات، يمنع الإنسان من التردي إلى الحيوانية، فكانت عقوبة المحصن القتل لزوال العذر عنه من جميع الوجوه في مواقعة الحرام، لأنه قد أحرز نفسه، وحصنها بالزواج، فكان الأحرى به أن يعف نفسه عن الفروج المحرمة فكانت العقوبة على قدر جرم الخيانة، وهي الرجم بالحجارة.
وأما البكر فكانت العقوبة بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد، وذلك لشدة الداعي عند البكر وعدم المعوض، فكان ذلك سببا لإسقاط القتل عنه، ولم يكن الجلد وحده كافياً في الزجر، فغلط بالنفي والتغريب، ليذوق من ألم الغربة، ومفارقة الوطن، ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجر عن المعاودة، ويبعث على القنع بما رزقه من الحلال. وهذا في غاية الحكمة والمصلحة للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه. (1)
الله
قال تعالى: هو الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَأَجَلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَارَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية (النور 2). وكذلك «السرقة» فليست الجريمة في السرقة هي ضياع عشرة دراهم أو ربع دينار ذهبا، كما يفهم من ظواهر العبارات الفقهية، وإنما فيما تحدثه من إزعاج الآمنين وتهديد المطمئنين فاليد التي تذوق طعم السرقة، تستحيل إلى جرثومة فتاكة تدمر مصلحة المال تدميراً فالإسلام لا يصنف جريمة السرقة مع العفوية العابرة بل يعدها مرضاً خطيراً تصاب به اليد التي اعتادت على السرقة وذاقت طعمها فهي تغدو بذلك آفة من الآفات الاجتماعية التي لا يكاد يعثر العلماء
الانزلاقات
والمربون على مخلص منها وقد دلت الدراسات النفسية على هذه الحقيقة» (2) فكان أليق العقوبات به قطع هذه اليد التي جعلت وسيلة إلى أذى الناس، وأخذ
1 - انظرم، ن: 97/ 2 - 107.
- البوطي: منهج العودة إلى الإسلام، ص 128.
95