الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٩٧مفسدة يشيع الفاحشة، ويخدش الحياء العام، ويؤدي إلى سهولة هذه الجريمة
في قلوب الضعفاء، وفوق ذلك فإن ترداد الكلام في هذا الأمر يوجد حكما فاسداً ورأيا عاماً ينطق بالرذيلة وبذلك يعم الفساد في الأرض، وتنحل الأخلاق، لذلك كان
عقاب الرامي بالزاني من غير إثبات، ثمانين جلدة ورد الشهادة فقد قال تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَوْ يَأْتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا
وأوليك هُمُ الْفَنسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
(النور: 5:4). وبهذا كله يتضح لنا أن العقوبة في التشريع القرآني متوافقة مع الجريمة فعاقب السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه وهذا في غاية الحكمة، إذ ليس من الحكمة والمصلحة أن يتلف كل عضو ارتكب به الجاني جنايته فلم يشرع قلع عين من نظر إلى المحرم وقطع أذن من استمع إليه، ولسان من تكلم به، ويد من لطم غيره عدوانا، ولم يلحق الخدشة بالعود بالضربة بالسيف، ولا الشتم بالخفيف بالقذف بالزنا، والقدح في الإنسان ولا سرقة اللقمة والفلس بسرقة المال الكثير العظيم فلما تفاوتت مراتب الجنايات كان لابد من تفاوت مراتب العقوبات إذ لا يخفى على أحد ما في العقوبة من الإسراف والتجاوز وقلب لمراتبها عند إهمال تفاوت مراتب الجنايات فرحمة الله ورأفته بعباده تأبى ذلك، فليس القصد هو محض الأمن من المعاودة، وإنما المقصود هو الزجر والنكال، والعقوبة على الجريمة وأن يكون إلى كف عدوانه أقرب، وأن يعتبر به غيره (1)
وهذا في غاية الإحكام الذي تعجز عنه التشريعات البشرية، فلو أوكلت إليها معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجنابة جنساً ووصفاً وقدراً لذهبت الآراء كل مذهب وضاعت المطالب والمقاصد ..
1 - انظر إعلام الموقعين: 2/ 106، 107.
97