قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٠١

قنطرة العلم

85

وقال آخر: من كانت فيه خصلتان لم يفتح له شيء من هذا العلم بدعة أو كبر. وقيل: من كان محباً للدنيا ومُصِراً على هواه لم يتحقق به، وقد تحقق به سائر العلوم،

وأقل عقوبة من ينكره أن لا يرزق منه وهو علم الصديقين والمقربين كما قدمنا.

وهذه هي العلوم التي يقولون إنها لا تسطر في الكتب ولا يتحدث بها من أنعم الله سبحانه

عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وعلى طريق الإسرار. وهذا العلم الخفي الذي أراد النبي عليه السلام / بقوله: إن من العلم كهيئة المكنون لا [87/ب] يعلمه إلا أهل المعرفة بالله عز وجل: فإن نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله فلا تحقروا عالماً أتاه الله علماً فإن الله تعالى لم يحقره إذ أتاه إياه (1). وبالله التوفيق.

فصل

فعليك - أيدك الله وأرشدك وإيانا - بالبحث والطلب عن هذه العلوم التي هي أحوال القلب وأخلاقه المحمودة والمذمومة حتى تعرفها أولاً، ثم تطهير القلب من المذموم منها، وتحليته بالمحمود منها ثانياً، حتى يتضح لك الحق بحقائقها وتنظر بنور الله بين أصناف خلقه: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى (2).

وقد تراكم رين الذنوب على بصيرة قلبه، فهو يمشي مكباً على وجهه، فلا تظنن أصلحك الله أن من تجرد لعلم الجدال والممارات وأفنى عمره بتعلم فقه المعاش، والخصومات يتصف بشيء من هذه العلوم المتقدمة، ولو سئل أكثر من يدعي الفقه وتجرد لإحياء الدين بزعمه عن معنى من معاني هذه العلوم حتى عن الإخلاص مثلاً أو عن التوكل، أو عن وجه الاحتراز عن الرياء، لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة. ولو سئل عن مسائل الفتوى واللعان والظهار والسلم والشفعة والإجارات وما أشبه ذلك من مسائل الفروع التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم يخل البلد عن من يقوم بها، ويكفيه مؤنة التعب فيها، ولو سئل عن شيء من هذا لأجاب سريعاً وما توقف حفظه فتراه يتعب في و درسه ليلاً ونهاراً ويغفل عن ما هو فرض عليه في نفسه وإذا روجع فيه

قال: اشتغلت به لأنه علم الدين.

(1) راجع في كل ما سبق إحياء علوم الدين (20/ 1 (21) وعلق العراقي على الحديث بقوله: رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين له في التصوف من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف.

(2) سورة الزمر الآية: 22.