الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٦156
قنطرة النفس
الحق ولا تداهنوا. نعم إظهار الحق حسن مع من يقبل من الإنسان ويفهم عنه ولكن ذلك على وجه النصيحة والذب عنه.
الفصل السادس: في فصول حفظ اللسان
/ التي هي من بقية قنطرة النفس، وهي تحتوي على كتمان السر، والمشورة،
والنصيحة.
فصل: في كتمان السر
فالواجب على الإنسان حفظ لسانه عن إذاعة السر المودع فيه؛ لأنه أمانة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا حدث الرجل حديثه ثم التفت فهو أمانة ألا ترى إلى النبي صلى الله عليه وسلم سماه سراً، ولو لم يستكتمه فكيف إذا استكتمه. وروي عن النبي الله أنه قال: «استعينوا على الحاجات فإن كل ذي نعمة. محسود عليها (1).
وعن علي بن طالب أنه قال: سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره. وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني كن جواداً بالمال في موضع الحق، ضنيناً بالأسرار عن جميع الخلق. وقال النبي: المجالس بالأمانات (2).
وقال بعض الأدباء من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشى سره كان الخيار عليه. وقد قال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصُ رَؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ (3). فلما أفشى يوسف عليه رؤياه بمشهد امرأة يعقوب أخبرت إخوته فحلّ ما حل. واعلم أن حمل ثقل الأموال أخف من حمل ثقل الأسرار لما يلحقه في كتمان السر من القلق والكرب فإذا أذاعه استراح قلبه، فكأنما ألقى عن نفسه حملاً فمن قلق بسره فغيره به أقلق. ويُنشد:
إذا ضاق صدر المرء من سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيق إذا المرء أفشى سره بلسانه فلام عليه غيره فهو أحمق
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: القلوب أوعية والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل امراء مفتاح سره ويقال إن من أعجب الأمر أن أغلاق الدنيا كلما كثر خزانه كان أضيع له. قال الشاعر وهو أنس بن أسيد:
(1) قال العراقي في المغني (184/ 3) رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من حديث معاذ بسند ضعيف. (2) قال العراقي عن أتم منه في المغني (176/ 2): رواه أبو داود من حديث جابر من رواية ابن أخيه غير
مسمى عنه.
(3) سورة يوسف الآية: 5.
[175]