الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٧[176]
[177]
157
قنطرة النفس
لا تفش سترك إلا إليك فإن لكل نصيحة نصيحا / ألم تر أن غواة الرجال لا يتركون أديماً صحيحا وكان يقال: أصبر الناس من لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شر فيفشيه.
وكان يقال: لا تطلع النساء على سرك يصلح لك أمرك. وقال أنوشروان: من حصن سره فله بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات.
واعلم أن إذاعة الرجل سر غيره أقبح من إظهار سر نفسه؛ لأنه يبوء بإحدى وصمتين إما الخيانة إن كان مؤتمناً، أو النميمة إن كان مستودعاً وإما الضرر فربما استويا فيه أو تفاضلا وكلاهما مذموم قال الأحنف بن قيس: يضيق صدر أحدكم بسره حتى يحدث به ثم يقول: أكتمه عليّ. وفي أمثال الفرس: إذا أفشيت لي سرّك وأوصيتني أن لا أبوح به فهلا بذا توصي
نفسك. قال الشاعر: إذا ما ضاق صدرك عن حديث وأفشيته الرجال فلا تلوم وسرى عنده فأنا الظلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثي وقيل لبعض الحكماء ما أصعب الأشياء على الإنسان؟ قال: أن يعرف ويكتم سره.
وقيل لبعضهم: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر. وفي منثور الحكم صدور الأحرار قبور الأسرار.
واعلم أن كتمان السر على جواهر الرجال، فكما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها، كذلك لا خير في إنسان لا يمسك سره. ويقال: من صفات أمين السر أن يكون ذا عقل صادق، ودين حاجز، ونصح مبذول وود موفور وكتوماً بالطبع فإن هذه الأمور تمنع من الإذاعة وتوجب حفظ الأمانة فمن كانت فيه فهو عنقاء مغرب. ويُنشد الجعفر بن. عثمان:
أن تسمعه
يا ذا الذي أودعتني سره لا ترج الم أجره قط على خاطري كأنه لم يجر في أذن
واعلم أن الاسترسال بالسر يدل على ثلاثة أحوال كلها مذمومة. أحدها: ضيق الصدر وقلة الصبر حتى لا يتسع لسر، ولا يقدر على صبر.
الثانية: يدل على الغفلة عن تحرز العقلاء والسهو عن فطنة الأذكياء.
الثالثة: يدل على أنه ارتكب الغرر ولم يتوق من الخطر. وقد قال بعض الحكماء: سرك