قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٥٨

158

قنطرة النفس

دمك فإذا تكلمت به فقد أرقته. وقال بعضهم: تفرد بسرك ولا تذعه حازماً فيزل، ولا من

جاهلاً فيخون.

واعلم أن من الأسرار ما لا استغناء به عن مطالعة صديق واستشارة ناصح، وليختر العاقل لسره أميناً إن لم يجد إلى كتمانه سبيلاً، وليتحر في اختياره أمين السر الذي قدمنا صفاته إن وجده وإلا فليختر خير من وجد وليحذر أن يودعه عند من يحب الوقوف عليه: لأن طالب

الوديعة خائن. وقيل في منثور الحكم لا تنكح خاطب سرك إنه للسر خوان. قال صالح بن عبد القدوس: لا تذع سراً إلى طالبه منك إن طالب السر مذيع. وليحذر

كثرة المستودعين لسره؛ لأن ذلك سبب الإذاعة لأمرين:

أحدهما: أن اجتماع شروط الأمانة في الكثرة معوز.

والثاني: أن كل واحد يبتغي إذاعة السر عن نفسه ويضيف ذلك إلى غيره. قال الشاعر: وسرك ما كان عند امراء وسر الثلاثة غير

وقال قيس بن حطيم:

أجود بمكنون التلاد وإنني بسرك عمن سألني لضنين إذا جاوز الاثنين سر فإنه يبث وتكثير الوشاة قمين قال بعض: أراد بالاثنين المودع والمودع فيه، ولا يريد به الشفتين، وأيضاً فإن يبعد أن

من سلم السر من إذاعتهم لم يسلم صاحبه من استطالتهم عليه. ولذلك قالت الحكماء: من أفشى سره كثر المتآمرون عليه فإن اضطر فأودع سره أميناً وجب على المستودع فيه حفظ [178] الأمانة بالتناسي / حتى لا يخطر له بباله ويرى ذلك حرمة يرعاها ولا يستطيل على صاحبه. وحكي أن رجلاً أسرّ إلى صديق له حديثاً سراً فقال له: أفهمت؟ قال: بل جهلت.

قال: أحفظت؟ قال: بل نسيت. قال بعض الشعراء:

ولو قدرت على نسيان ما اشتملت مني الضلوع على الأسرار والخبر لكنت أول من ينسى سرائره إذ كنت من نشرها يوماً على خطر وحكي أن عبد الله بن طاهر (1) تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر فقال عبد الله:

مصر

(1) هو الأمير العادل أبو العباس، حاكم خراسان وما وراء النهر. له يد في النظم والنثر. قلده المأمون. وإفريقية، ثم خراسان وكان ملكاً مطاعاً سائساً مهيباً جواداً ممدحاً من رجال الكمال، وقيل: إنه وقع:

=