الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦٠17.
قنطرة النفس
وقد شاور عليه السلام أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في أسارى بدر، فاختلفا عليه، فمال إلى رأي أبي بكر فعاتبه الله على أخذ الفداء فقال: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ) (1). الآية. وقد شاور عليه السلام أصحابه حين أراد النزول نحو بدر وقد أمرهم لما اجتمع الأحزاب، بمصالحة عيينة بن حصن الفزاري على بعض الثمار، فأشاروا بترك ذلك
فقبله.
فصح بما ذكرنا من الحزم لذي لب أن لا يبرم أمراً إلا بمشورة ذي الرأي الناصح، ومطالعة ذي العقل الراجح ألا ترى إلى إبراهيم عليه السلام حين أمر بذبح ابنه عزيمة عليه، الأدب على المشاورة فقال لابنه: {فَانْظُر مَاذَا تَرَى (2). وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
فحمله
حسن
قال: «المشورة حصن من الندامة وأمان من الملامة.
(2)
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الرجال ثلاثة: رجل ترد عليه الأمور فيصدرها برأيه ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرأي، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً.
وعن ابن عباس قال: الرجال ثلاثة رجل ونصف رجل ولا شيء، فالرجل هو المشاور في أموره، ونصف الرجل المشاور في بعض أموره ولا شيء الذي لا يشاور.
وقيل: إن عمر رحمه الله يشاور حتى المرأة، وقال سيف بن ذي يزن: من أعجب برأيه لم يشاور، ومن استبد برأيه كان من الصواب بعيداً. وقيل في منثور الحكم: المشورة راحة لك
[180] وتعب على غيرك. وقال بعض الحكماء: / ما خاب من استخار ولا ندم من استشار. وقال بزرجمهر: إذا أشكل الرأي على الحازم كان بمنزلة من أضل اللؤلؤ فجمع ما حول مسقطها فالتمسها فوجدها كذلك الحازم يجمع وجوه الرأي فيضرب بعضها ببعض حتى يخلص الصواب. وقال عمر رحمه الله: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين، والثلاثة الآراء لا تكاد تنقطع، وينشد لبشار ابن برد:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن برأي نصيح أو مشورة حازم ولا تجعل الشوري عليك غضاضة مكان الخواف قوة للقوادم
(1) سورة الأنفال الآية: 68.
(2) سورة الصافات الآية: 102.