الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦١قنطرة النفس
161
وقال بعض الأعراب: ما عثرت حتى عثر قومي. قيل: له وكيف؟ قال: لا أفعل شيئاً
حتى أشاورهم ويقال لو لم يكن في فضيلة المشورة إلا أن الإنسان إذا استبد برأيه فأصاب سلبت فائدة إصابته، وإن كانت حسنة؛ لأنه لا بد من قائل يقول هذا اتفاق، ولو فعل كذا لكان أحسن، فإذا شاور فأصاب حمدت الجماعة رأيه؛ لأنهم إنما يحمدون أنفسهم، فإذا أخطأ حملوا خطأه؛ لأنهم عن أنفسهم يكافحون والله أعلم. فإذا عزم على المشاورة فليختر من
اجتمعت فيه خمس خصال.
(1) ،
إحداها: عقل كامل مع تجربة سالفة، فإن بكثرة التجارب تصح الرؤية؛ لأنه قيل في منثور الحكم كل شيء يحتاج إلى العقل والعقل يحتاج إلى التجارب. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «استر شدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا (1) وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم. فقالوا: نحن ألف رجل وفينا حازم ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم. وقال بعض السلف لابنه: احذر مشاورة الجاهل وإن كان ناصحاً، كما تحذر عداوة العاقل إذا كان عدواً. وكان يقال: إياك ومشاورة رجلين: شاب معجب بنفسه قليل التجارب، أو كبير قد أخذ الدهر عقله كما أخذ من جسمه. والثانية: أن يكون ذا دين وتقي؛ لأنه مأمون السريرة موفق العزيمة، وقال عليه السلام: من أراد أمراً فليشاور / امراً مسلماً أرشده الله لأرشد أموره (2).
من
والثالثة: أن يكون ناصحاً ودوداً؛ فإن النصح والمودة يمحصان الرأي. وقال بعض الحكماء: لا تشاور إلا الحازم غير الحسود، واللبيب غير الحقود، وإياك ومشاورة النساء؛ فإن رأيهن إلى الأفن، وعزمهن إلى الوهن.
والرابعة: أن يكون سليم الفكر من هم قاطع وغم شاغل؛ لأن الرأي لا يسلم مع الهموم. وقد قالت الحكماء: لا تشاور معلماً ولا راعي غنم، ولا كثير لقعود مع النساء، ولا صاحب حاجة يريد قضائها ولا جائعاً ولا من يرهقه أحد السبيلين. وقالوا: لا رأي لحاقن، ولا لحاقب ولا لحازق ولا تشاور من لا دقيق عنده. فالحاقب: الذي يجد في بطنه رزاء والحازق: الذي يضيق عليه الخف، والله أعلم.
(1) أطراف الحديث عند الذهبي في الميزان (3496)، ابن حجر في لسان الميزان (333/ 3)، (808/ 4)،
والألباني في الضعيفة (617).
(2) نحو طرفه عند ابن القيسراني في تذكرة الموضوعات (734).
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 11
[141]