قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٦٢

1620

قنطرة النفس

الخصلة الخامسة: أن لا يكون له في الأمر المستشار غرض يتابعه ولا هوى يساعده، فإن الأغراض جاذبة والهوى صاد، والرأي إذا عارضه الهوى وجاذبته الأغراض فسد، ويُنشد: وقد تحكم الأيام من كان جاهلاً ويردى الهوى ذا الرأي وهو لبيب ويحسد في الأمر الفتى وهو مخطاء ويعذل في الإحسان وهو مصيب فإذا استكملت هذه الخصال في رجل كان أهلاً للمشورة ومعدناً للرأي فلا يعدل عنه الإنسان استيثاقاً برأيه فإن رأي غير ذي الحاجة أسلم، وهو إلى الصواب أقرب لخلوص الفكر وخلوة من الهوى والشهوة، وقد قال بعض الحكماء: نصف رأيك مع أخيك فشاوره ليكمل لك الرأي: وينشد:

خليلي ليس الرأي في صدر واحد أشيرا على اليوم ما تريان

وقال بعض البلغاء: إذا اشتكلت عليك الأمور فارجع إلى رأي العقلاء، فلأن تسأل وتسلم خير من أن تستبد وتندم. وقد قيل في منثور الحكم من أكثر المشاورة لم يعدم عند [182] الصواب مادحاً، وعند / الخطأ عاذراً وإن كان الخطأ من الجماعة بعيداً ثم إذا استشار الجماعة، وقد اختلف أهل الرأي في اجتماعهم عليه أو إفراد كل واحد منهم، فمذهب الفرس أن الاجتماع أولى ليذكر كل واحد ما نتجه فكرة حتى إن كان فيه قدح نقض عليه بالمناظرة. وذهب غيرهم إلى أن انفراد كل واحد منهم أو ليحيل رأيه طمعاً في الحظوة والصواب

والله أعلم. ثم إذا أشار على الإنسان من استَشَاره بالرأي أخذ به، وأمضاه فإن أصاب فذاك، وإن أخطأ فلا يوجه اللوم على المستشار، فإنما على الناصح الاجتهاد دون ضمان النجاح، ولا سيما والأقدار غالبة تجري على ما ليس في التقدير. إذا ظفر برأي خامل اغتنمه، فإن الرأي كالضالة تؤخذ حيث ما وجدت ولا تترك لذلة صاحبها والدرة لا يضيعها مهانة غائصها، والله أعلم.

فصل: في النصيحة

اعلم أن النصيحة للخلق أجمعين من سنة، المرسلين قال الله تعالى حكاية عن شعيب صلوات الله على نبينا وعليه: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ فكيف آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)، في أمثالها من

القرآن.

(1) سورة الأعراف الآية: 79.