قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٦٦

قنطرة النفس

166

يا جاهلاً غره إفراط مادحه لا يغلبن جهل من أطراك علمك بك

أثنى وقال بلا علم أحاط به وأنت أعلم بالمحصول من ربئك وروي أن بعض الخلفاء سأل رجلاً عن شيء فقال: يا أمير المؤمنين أنت خير منا وأعلم فغضب وقال: لم آمرك أن تزكيني وروي أن رجلاً مدح بعض السلف فغضب فقال: اللهم إن عبدك تقرب إلي بمقتك وأشهدك على مقته. وحكى الأصمعي: أن أبا بكر الصديق رضي عنه كان إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيراً مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون. وقال الشاعر:

الله

إذا المرء لم يمدح بحسن فعاله فمادحه يهذي وإن كان مفصحاً وينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه عن المدح ويمقت نفسه عند سماعه من غيره، لأن المدح عادة المتملقين وحرفة المتقربين إلى الجورة من الجهال والسلاطين، جعلوا النفاق عادة ومكسباً، والتملق خديعة وملعباً، فإذا وجدوه / مقبولاً إلى العقول الضعيفة غروا أربابها باعتقاد كذبهم، وجعلوا ذلك ذريعة إلى استخالهم والاستهزاء بهم. وهذا أمر ينبغي للعاقل أن يضبط نفسه عن أن يستفزها المدح ويمنعها من تصديق المادح لها، فإن للنفس ميلاً إلى حب الثناء وسماع المدح كما قال الشاعر.

عندهم

يهوي

الثناء مبرز ومقصر

الثناء طبيعة الإنسان

ويعلم أن المتقرب إليه بالمدح يسرف مع القبول ويكف مع المنع والإباء، ولتكن تهمة المادح أغلب عليه، فقلّ مدح كان جميعه صدقاً، ولا يغلبه حسن الظن على تصديق مدح هو أعرف بحقيقته، فإن لم يفعل وسامح نفسه في مدة الصبوة وتابعها على هذه الشهوة، تشاغل بذلك عن الفضائل الممدوحة ولهى بها عن المحاسن الممنوحة، فصار الظاهر من مدحه كذباً، والباطن من ذمه صدقاً وعند تقابلهما يكون الصدق ألزم الأمرين والله أعلم.

واعلم أن المدح ربما خل بصاحبه إلى أن يصير مادح نفسه إما لتوهمه أن الناس قد غفلوا عن فضله وإما أن يخدعهم بتدليس نفسه، فيعتقدوا أن قوله حق متبع، وإما ليتلذذ بسماع. الثناء ويسر نفسه بالمدح والإطراء، كما يتغنى لنفسه طرباً إذا لم يسمع. صوتاً مطرباً، ولا ير ذلك كان فهو الجهل والنقص الفاضح، كما قال الشاعر:

وما شرف أن يمدح المرء نفسه ولكن أخلاقاً تذم وتمدح

[JAV]