الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦٨168
قنطرة النفس
إن المزاح بدوه حلاوة لكنما آخره عداوه وقد يقال: إن كثر المزاح من الفتى تدعو إلى التلاح يحقد منه الرجل الشريف، ويجتراء بسخفه السخيف. وأوصى بعض الحكماء ابنه فقال: يا بني، إياك والمزاح فإنه يذهب ببهاء المؤمن ويطفاء نوره ومن يكثر من شيء عرف به قال وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: امنع الناس من المزاح فإنه يذهب المروءة ويوغر الصدر.
وحكي أن خالد بن صفوان (1) ذكر المزاح فقال يصك أحدكم بأشد من الجندل وينقشه أحرف من الخردل، ويفرغ عليه أحر من المرجل، ثم يقول: إنما كنت أمازحك. ويروى أن بعض الأشراف مازح صديقاً له بكلمة فتهاجرا حتى ماتا. ويُنشد.
أما اللجاجة والمزاح فدعهما خلقان لا أرضاهما الصديق
إني بلوتهما فلم أحمدهما لمجاور دان ولا لرفيق ويقال: إنما سمي المزاح مزاحاً لأنه أزيح عن الحق ولعمري إن المزاح يزيح عن الحقوق، ويخرج إلى القطيعة والعقوق، ويصم المازح بزوال الهيبة والبهاء، وجرأة السفهاء عليه والغوغاء، ويؤذي المماذح بلدغته، ويحزن قلبه بحرقته إن أمسكه عنه تغيظ وإن أجاب صاحبه تورط بسقوط الأدب، وحق على العاقل أن يتقيه وينزه نفسه عن وصمه مساوئه. قال:
فإياك إياك المزاح فإنه يجري عليك الطفل والدنس الرذلا / ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ويورث بعد العز صاحبه ذلا
اعلم أن المزاح قل ما يعرى منه من كان سهلاً، فإذا كان لا بد للعاقل منه فليتوخ به إيناس المصاحب والتودد إلى المخالط وليقتصد في مزاحه فإن الأفراط منه يذهب البهاء، ويجراء السفهاء. والتقصير فيه يقبض المؤانس، ويوحش المصاحب وليكن مزاحه بما حسن من القول وبسط من مستحسن الفعل نحو ما روي عن الشعبي أنه سئل عن أكل لحم الشيطان؟ فقال: نحن نرضى منه بالكفاف.
وقيل له: ما اسم امرأة إبليس؟ قال: ذلك نكاح ما شهدناه. وقد كان صهيب بن
سنان
(1) العلامة البليغ فصيح زمانه أبو صفوان المنقري الأهتمي البصري، وقد وفد على عمر بن عبد العزيز، ولم أظفر له بوفاة: إلا أنه كان في أيام التابعين … وهو القائل: ثلاث يعرفون عند ثلاثة: الحليم عند
الغضب والشجاع عند اللقاء، والصديق عند النائبة (الذهبي في سير أعلام النبلاء 226/ 6).
[19]