الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦٩قنطرة النفس
169
رحمه الله مزاحاً فقال له النبي: «أتاكل تمراً وبك رمد؟». فقال: يا رسول الله إنما أمضغ على الناحية الأخرى (1).
وإنما استجاز لصهيب ليتعرض له المزاح لأن استخباره عليه السلام قد كان يتضمن المزاح، فأجابه بما وافق استخباره مساعدة له وتقرباً من قلبه، لأن من جعل جواب الرسول عليه السلام هزلاً فقد عصى الله تعالى، وصهيب كان أطوع الله ولرسوله من أن يكون منه بهذه المنزلة. وقد قال عليه السلام: «أنا سابق العرب وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبش (2) ووجه آخر يجوز فيه المزاح أيضاً وهو أن ينفي الإنسان بمزاحه عن نفسه ما يطرأ عليه من هم أو منام أو يبس طبيعة أو حادث وحشة، ولذلك قال أبو الدرداء أو غيره: إني لاستجم نفسي بشيء من اللهو. وقديماً قيل: لا بد للمصدور أن ينفث لأن النفس ملولة ولها في اللهو / والمزاح استراحة ونشاط إلى مملول العبادة. قال الشاعر: أفد طبعك المكدود بالهم راحة يجم وعلله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يبعد أن يكون على هذا الوجه وقد قال عليه السلام: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقا (3). فمن مزاحه عليه السلام مثل قوله للعجوز التي قالت: ادع الله أن يدخلني الجنة فقال: «إن الجنة لا تدخلها العجائز».
ما
فصرخت فتبسم وقال لها عليه السلام: «أما قرأت إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أبْكاراً (4). ومثل قوله لمحمد بن أبي طلحة وكان له نغير فمات فإذا رآه قال: «أبا فعل النغير (5). وهو طير.
عمير
(1) قال العراقي في المغني: (127/ 3) رواه ابن ماجة والحاكم من حديث صهيب ورجاله ثقات. (2) أطراف الحديث عند ابن أبي حاتم في العلل (2577)، ابن عدي في الضعفاء (2624/ 7)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (199/ 6)، وأبي نعيم في تاريخ أصبهان (49/ 2)، وعبد الرزاق في المصنف (20442)، والطبراني في الكبير (131/ 8)، والصغير (104/ 1). (3) أطراف الحديث عند الطبراني في الكبير (391/ 12)، العجلوني في كشف الخفا (572/ 1)، الهيثمي في مجمع الزوائد (17/ 9)، الشفا للقاضي عياض (424/ 2). سورة الواقعة الآية: 35، 36 والحديث عن نحوه قال العراقي في المغني (125/ 3: 126): رواه الترمذي في الشمائل هكذا مرسلاً وأسنده ابن الجوزي في الوفاء من حديث أنس بسند ضعيف.
(4)
(5) متفق عليه (من حديث أنس). المغني (126/ 3).
[191]