الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧٩قنطرة النفس
179
ومما كانت الحكماء قالت لسان المرء من خدم الفؤاد
وقال الشاعر:
رأيت العز في أدب وعقل وفي الجهل المذلة والهوان وما حسن الرجال لهم بحسن إذا لم يسعد الحسن البيان كفى بالمرء عيباً أن تراه له وجه وليس له لسان واعلم أن للكلام شروطاً لا يسلم المتكلم من الذلل إلا بها ولا يعرى من النقص إلا بإستيعابها وهي أربعة شروط:
أحدها: أن يكون الكلام لداع يدعوه إليه إما في اجتلاب نفع أو دفع ضر؛ لأن ما لا
داعي له ولا سبب؛ هذيان وهجر. ومن سامح نفسه في الكلام إذا عرض ولم يراع صحة دواعية وإصابة / معانيه كان قوله مردوداً ورأيه مغلولاً كالذي حكى ابن عائشة أن شاباً كان [203]
يجالس الأحنف ويطيل الصمت فأعجب ذلك الأحنف فخلت الحلقة يوماً فقال الأحنف: تكلم يا ابن أخي فقال: يا عم أرأيت لو أن رجلاً سقط من شرفة هذا المسجد، أكان يضره شيء. فقال: يا ابن أخي ليتنا تركناك مستوراً ثم تمثل الأحنف بقول الأعور الشيخي: وكأين ترى من ساكت لك معجب زيادته ونقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
فقال:
وكالذي حكي عن أبي يوسف الفقيه: أن رجلاً كان يجلس إليه فيطيل الصمت، فقال له أبو يوسف: ألا تسأل؟ قال: بلى متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس. قال: فإن لم تغرب إلى نصف الليل. قال: فتبسم أبو يوسف، وتمثل ببيتي الخطفاء جد جرير عجبت بإزراء العيي بنفسه وصمت الذي قد كان بالعلم أعلما وفي الصمت ستر للعيي وإنما صحيفة لب المرء أن يتكلما
وانظر كيف أبان الكلام عن جهل هذين إذ لم يكن لهما داع إليه ولا روية فيما تكلما
به،
ولو صدر عن روية ودعي إليه داع لسلموا من شينه وبرؤا من عيبه، ولذلك قال عليه السلام: لسان العاقل) من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه فإن كان له تكلم وإن كان عليه
أمسك وقلب الجاهل من وراء لسانه يتكلم بكل ما عرض له (2).
(1) في الإحياء: «المؤمن».
(2) قال العراقي في المغني (107/ 3): لم أجده مرفوعاً وإنما رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من رواية -
=