قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٨٠

180

قنطرة النفس

الشرط الثاني: أن يأتي بالكلام في موضعه فإن الكلام في غير حينه لا يقع موقع

[204] الانتفاع به، وما لا ينتفع به من الكلام فهو هجر وهذيان / فإن قدم ما يقتضي التأخير كان عجلة وخرفاً، وإن أخر ما يقتضي التقديم كان توانياً وعجزاً؛ لأن لكل مقام قولاً وفي كل زمان

[205]

=

عملاً. وأنشدوا:

تحدث بصدق إن تحدثت وليكن لكل حديث من حديثك حين وما القول إلا كالثياب فبعضها عليك وبعض في التخوت مصون وقال آخر:

تضع الحديث على مواضعه وكلامها من بعده نزر

الشرط الثالث: الاقتصار منه على قدر الحاجة؛ لأنه إن لم ينحصر كان إما عياً وحصراً إن قصر، وإما هدراً وخطلاً إن كثر. ويروى أن أعرابياً تكلم عند النبي عليه السلام فطوّل، فقال له عليه السلام: كم دون لسانك من حجاب»؟ فقال: شفتي وأسناني. قال: «فإن الله يكره الانبعاق في الكلام فنضر الله وجه امراء أوجز في كلامه واقتصر على حاجته (1) وحكي أن بعض الحكماء رأى رجلاً يكثر في الكلام ويقل السكوت فقال: إن الله عز وجل إنما خلق لك أذنين ولساناً واحداً ليكون ما تسمعه ضعف ما تتكلم به.

وذهب بعضهم إلى أن الكلام إذا كثر وكان صواباً فهو البيان والسحر الحلال. وقيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب إلا كثرة الكلام قال: أفتسمعون صواباً أو خطأ. قالوا: لا بل صواباً. قال: فالزيادة من الخير خير.

وروي عن الجاحظ أنه قال: ليس الأمر كما قال لأن للكلام غاية ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن مقدار الاحتمال ودعي إلى الاستقلال والملال فذلك الفاضل هو الهدر. وقال بعض البلغاء من تسلم به خير من نطق تندم عليه / فاقتصر من الكلام على ما يقيم حجتك ويبلغ حاجتك وإياك وفضوله؛ فإنها تزل القدم وتورث الندم. وقال بعض الفصحاء: فم العاقل ملجم، وإذا هَمَّ بالكلام أحجم، وفم الجاهل مطلق كلما شاء أطلق وقال الشاعر:

إن الكلام يغر القوم حلوته حتى يلج بهم غي وإكثار

الحسن البصري قال: كانوا يقولون.

(1) أطرافه عند:: الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (467/ 7)، السيوطي في الدر المنثور (112/ 3).