الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨١[206]
قنطرة النفس
181
وقول الجاحظ أمثل؛ لأن الإكثار من الكلام وإن كان صواباً يمل السامع ويكل الخاطر، فهو صادر عن إعجاب لولاه لقصر عنه، ومن أعجب بكلامه استرسل فيه فيكثر زلله ويدوم عثاره. وفي الحديث عن رسول الله لو أنه قال: «إن أبغضكم إلي المتفيهق المكثار والملح المهدار» والله أعلم.
الشرط الرابع: هو اختيار اللفظ الذي يتكلم به: لأن اللسان عنوان الإنسان يترجم عن مجهوله، ويبرهن عن، محصوله فلزمه أن يكون بتهذيب ألفاظه جديراً، وليس يصح اختيار الكلام إلا لمن اعتاد البلاغة ولزم الفصاحة، فلا يأتي بلفظ مستكره، ولا بمعنى مختل؛ لأن البلاغة ليست معاني مقدرة، ولا ألفاظ عارية وإنما البلاغة أن تكون المعاني الصحيحة مستودعة ألفاظ صحيحة فصيحة فتكون فصاحة الألفاظ. مع. صحة المعاني هي البلاغة.
في
وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: اختيار الكلام، وتصحيح الأقسام. وقيل للرومي، فقال: حسن الاقتصاد عند البديهة والغزارة يوم الإطالة. وقيل للعربي، فقال: ما حسن إيجازه، وقل مجازه. وقيل للحضرمي، فقال: ما كثر إعجازه وتناسبت صدوره وأعجازه. / قال الشاعر:
الكلام قليل
معنى قصيـ
لفظ طويل
وفي الكلام فضول وفي قال وقيل
وأما صحة المعنى: فتكون من ثلاثة أوجه:
أحدها: إيضاح تفسيرها حتى لا تكون مشكلة ولا مجملة.
والثاني:: استيفاء تقسيمها حتى لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا يخرج عنها ما هو منها. والثالث: صحة مقابلاتها أعني مقابلة المعنى بما يوافقه في الائتلاف، أو بما يضاده مع
الاختلاف.
وأما فصاحة الألفاظ: فتكون من ثلاثة أوجه:
لا أحدها: مجانبة الغريب الوحشي حتى
يمجه
سمع
ولا ينفر منه طبع.
والثاني: تنكب اللفظ المستبذل والعدول عن الكلام المسترذل، حتى لا يستسقطه
خاصي، ولا ينبؤ عن فهمه عامي.
والثالث: أن تكون بين الألفاظ ومعانيها مناسبة، ومطابقة فالمناسبة معناها أن يكون
المعنى يليق ببعض الألفاظ والمطابقة معناها أن تكون الألفاظ كالقوالب لمعانيها فلا يزيد