الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨٢182
قنطرة النفس
عليها ولا ينقص منها. وقد قال بعض البلغاء: لا يكون البليغ بليغاً حتى يكون معنى أسبق إلى فهمك من لفظه إلى سمعك.
کلامه
وأما معاطات الإعراب، وتجنب اللحن: فإنما هو من صفة الصواب، والبلاغة أعلى منه رتبة وأشرف منزلة وليس لمن لحن في كلامه مدخل في الأدباء، فضلاً عن أن يكون في عدد [207] البلغاء الفصحاء واعلم أن للكلام آداباً إن أغفلها / المتكلم أذهب رونق كلامه وشغل الناس عن محاسن لفظه مساواء أدبه.
منها: أن لا يتجاوز في مدح، ولا يسرق في ذم وعلى أن السلامة من الكذب فيهما متعذرة، وحكي عن الأحنف أنه قال: سهرت ليلتي أتفكر في كلمة أرضي بها سلطاني ولا أسخط بها ربي فما وجدتها.
وعن ابن مسعود أنه قال: إن الرجل يدخل على السلطان ومعه دينه ويخرج وما معه دين. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يرضيه بما يسخط الله تعالى قال: وسمع ابن الرومي رجلاً يصف رجلاً ويبالغ في مدحه فقال ابن الرومي إذا ما وصفت أمر الأمراء فلا تغل في وصفه واقصد
الظن
(1)
ن فيه إلى الأمـ
فإنك إن تغل تغل الأبعد فيضوئل من حيث فحمته بفضل المغيب على المشهد
ومنها: أن لا تبعثه الرغبة ولا الرهبة على الاسترسال في وعد أو وعيد يعجز عن الوفاء
بهما، فإن من أطلق بهما لسانه، ولم يستقل بهما فعله صار وعده نكثاً ووعيده عجزاً. وحكي أن سليمان عليه السلام مر بعصفور يدور حول عصفورة، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول لها؟ قالوا: لا يا نبي الله. قال: إنه يخطبها إلى نفسه وهو يقول زوجيني نفسك اسكنك أي غرف دمشق شئت.
قال سليمان عليه السلام وكذب العصفور غرف دمشق مبنية بالصخر وليس يقدر أن يسكنها هناك ولكن كل خاطب كذاب.
(1) شاعر زمانه مع البحتري، أبو الحسن علي بن العباس ابن جريح مولى آل المنصور، له النظم العجيب، والوليد الغريب، رتب شعره الصُّولي، وكان رأساً في الهجاء، وفي المديح .. مولده سنة إحدى وعشرين ومئتين، ومات لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وقيل: سنة أربع. قاله الذهبي في سير أعلام النبلاء (490/ 13).