الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨٣قنطرة النفس
183
ومنها: أن يراعي مخارج کلامه بحسب مقاصده فإن كان ترغيباً قرنه باللين واللطف، وإن كان ترهيباً قرنه بالخشونة والعنف / لئلا يتعطل المقصود بهما ويصير الكلام لغواً. وقد قال [208] أبو الأسود الدؤلي لابنه: إذا كنت في قوم فلا تتكلم بكلام من فوقك فيمقتوك ولا بكلام من
دونك فيزدروك. ومنها: أن لا يرفع بكلامه صوتاً مستقبحاً، ولا ينزعج انزعاجاً مستهجناً، وليكف عن
حركة تكون طيشاً وعن إشارة تكون عبثاً، فإن نقص الطيش أكثر من فضل البلاغة. وقد حكي أن الحجاج قال لأعرابي: أخطيب أنا؟ قال: نعم لولا أنك تكثر الرد، وتشير باليد، وتقول أما بعد.
ومنها: ان يتجافى هجر القول وفحش الكلام وليعدل إلى الكناية عما يستقبح صريحه ليبلغ الغرض ولسانه نزه. وعن محمد بن علي في تأويل قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كراماً (1). قال: إذا ذكروا الفروج كنوا عنها. ومما يجري مجرى فحش القول في وجوب اجتنابه ما كان مستنكر الظاهر، وإن كان مع التأمل سليماً، مثل قول الشاعر:
إنني شيخ كبير كافر بالله سيري أنت ربي وإلهي رازق الطفل الصغير
يريد بقوله كافر أي لابس؛ لأن الكفر في اللغة التغطية، وقوله: بالله سيري أقسم عليها بالله أن تسير، وقوله: أنت ولدك، وإلهي رازق الطفل الصغير كما أنه رازق
الكبير.
ربي يعني مربي
انظر إلى هذا التكلف البشيع ما اعتاض به صاحبه إلا لو ما بعد الكفران أحسن فيه الظن، أو ذماً أن قوي فيه الارتياب، ولعل ما يكون ذلك إلا من خليع بطر أو مرتاب أشر.
ومنها: أن يجتنب أمثال العامة الغوغاء ويتخصص بأمثال العلماء والأدباء، فإن لكل صنف من الناس أمثالاً تشاكلهم، فلا تجد لساقط الأمثال ساقطاً، قال الصنوبري:
وللسقاط أمثال فمنهـ
إذا ما كنت ذا بول ص
ولذلك علتان:
(1) سورة الفرقان الآية: 72.
تمثلهم لذا
يب
ألا فاضرب وجه الطبيب