قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٨٦

186

قنطرة النفس

والأمر الثاني:: أن ذلك يهيج الوساوس في القلب، ثم تبدوا الاشتغال من البدن، فما يبقى بعد ذلك شيء للعبادة. ويقال: مثل الكلام الذي يقع في قلب الإنسان وسمعه، كالطعام الذي يقع في جوفه منه الغذاء النافع ومنه السم الناقع.

بل بقاء الكلام في القلب أعظم وأطول لأن الطعام يزول عن المعدة، وله دواء يزيل عن الجسم أثره. وأما الكلام في القلب فربما يبقى طول عمر الإنسان ولا ينساه، فإن كان كلاماً رديئاً فلا يزال يتبعه، ويعنيه وترد بسببه وساوس في القلب يحتاج أن يعرض عنها وعن ذكرها، ويستعيذ بالله من شرها ولا يأمن أن تحمله على بلية توقعه في آفة عظيمة بسبب ذلك؛ ولو حفظ سمعه عما لا يعنيه هذه المؤنة مستريحاً. قال:

لكان من

أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه کان به عن كل فاحشة وقراً سليم دواعي الصدر لا باسط أذى ولا مانع خيراً ولا قائل هجراً وروي عن الحسن أنه قال: إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله تعالى يعلم أنه مأخوذ عليه في لسانه وسمعه وسائر جوارحه والله أعلم.

(1) ،

،

/ الباب الرابع

في غض البصر

اعلم أن لكل شيء سبباً وسبب العفة غض البصر فليحذر الإنسان أن ينظر إلى ما حرم الله عليه تلذذاً وليحفظ من خطاب سيده ما عهد به إليه قال الله سبحانه وقُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِم … ) (1) الآية. يعني يكفوا عن النظر إلى ما لا ينبغي لأن الله تعالى إنما خلق العينين: ليهتدي بهما العبد في الظلمات ويستعين بها في الحاجات وينظر بهما إلى ملكوت الأرض والسموات، فيعتبر بما فيهما من الآيات، فالواجب أن يحفظهما الإنسان من ثلاثة

أشياء:

أحدها: أن لا ينظر إلى غير ذات محرم منه وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «النظر إلى محاسن النساء سهم مسموم من نبال إبليس فمن غض بصره أذاقه الله عبادة

يجد طعم لذتها».

(1) سورة النور الآية: 30.

[212]