الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩١قنطرة النفس
191
،
ثم
عيناي على قلبي لقد خفت أن لا أنجو من معرته ولو وافقت القيامة بعمل سبعين صديقاً، بكي حتى كاد أن يقضي ثم قال: يا طرفي والله لأشغلنك بالبكاء عن النظر إلى البلاء. ونظر الحكم إلى غلام فقال: عيون تنظر، وقلوب تشغل، ونفوس تذهل، وأرواح تذهب، وأجساد تضنى وأعمار تفنى، وصحف لا تطوى، وكتب لا تبلى، وذنوب لا تنسى،
فسبحان
6
من أضحك هذه العيوب بالنظر إلى المنايا القاضيات، فليتها إذا نظرت ما أبت ولا
رجعت قال الشعر:
يقولون لا تنظر فتلك بلية بلى كل ذي عينين لا بد ناظر
وقال بعض الصوفية: رأيت راهباً في بلاد الشام قد أشرف من صومعته وهو يكلم غلاماً جميلاً من النصارى ويتبسم إليه: فقلت له: ينبغي لمن كان بهذه المنزلة أيها / الراهب أن لا [218] يتبسم في وجه من لا تؤمن فتنته عليه، ولا سرعة احتيال الشيطان إليه. قال: فبكى فقال: هو لعمري كما قلت غير أني أعاهد الله تعالى أن لا أفتح عيني سنة عقوبة لها، ثم غض عينيه وأدخل رأسه في صومعته فانصرفت عنه وهو يبكي وينتحب.
قال: ونظر علي بن طاهر إلى، غلام فقال: إن العيون رسل القلوب إلى حاجتها، مساعدة لها على شهواتها ولا أعلم رسولاً أشد خيانة ولا أدل على بلية كامنة منها، أحذرك يا نفسي من نظر يكون أوله حيرة وآخره حسرة.
قال: ونظر أحمد بن أبي الحواري إلى رجل يضاحك غلاماً جميلاً، فقال: أيها الناظر إلي هلكته، والواقف على معرته لقلة معرفته، هل تدري بين يدي من أنت واقف؟ قال: وبين يدي من أنا؟ قال: بين يدي من تمور السماء لهيبته وتسير الجبال لخشيته، وتقف المياه بقدرته، وتسكن الرياح لعظمته وتذل الملوك لعزته، فقال: فسقط الرجل مغشياً عليه.
وأنشدوا:
نظرت
منظراً وافق شين
وفي الحديث عن رسول الله هو أنه قال: العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج (1).
(1) أطراف الحديث عند أحمد في المسند (372/ 2)، الطبراني في الكبير (192/ 10)، الهيثمي في مجمع الزوائد (256/ 6)، الزيلعي في نصب الراية (248/ 4)، الربيع بن حبيب في المسند (55/ 2).