قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٩٣

193

قنطرة النفس

وأما النظر إلى المباح فليس بحرام، ولكن التنزه عن كثرة النظر أفضل. وفيما يروى عن بعض الحكماء أنه قال: أصل فساد الدنيا والدين في الفضول الأربعة: فضول الكلام، وفضول الطعام، وفضول اللباس، وفضول النظر.

وقال بعض العلماء كل كلام ليس بذكر الله فهو لغو، وكل صمت ليس فيه تفكر فهو سهو، وكل نظر ليس فيه اعتبار فهو لهو. وقال بعضهم البصر شبيه بالمرآة المصقولة، ومحاسن النساء تتجلى فيها، والقلب ناظر كما يتجلى في المرآة، فيلتذ به فيكون ضعف همته، وعمى بصيرته بقدر ما تمكن فيه من لذة ما يتجلى في المرآة فإذا نظر في أنواع الملكوت عشى عنها، وإذا نظر إلى ظلمة ما يتجلى في المرآة ارتاح إلى ذلك. قال: ومثله أيضاً كمثل العين المرمودة إذا نظرت إلى شعاع الشمس أو ضوء النهار ذلك، وإذا نظرت إلى سواد الظلمة ارتاحت إليها فمن كانت هذه صفته كانت ناصيته بيد الشيطان قال الله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكِرْ الرَّحْمَنِ نُقَيْضُ لَهُ شَيْطَاناً … (1)

عشيت عن

الآية.

فهذه صفة القلب الأعمى على الحقيقة {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ) (2). واعلم أن حفظ الجوارح فريضة وترك الفضول فضيلة. قال الله سبحانه: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (3). وينشد لإبراهيم الشامي: يا من يبيت على اللذات معتكفاً هل أنت عن طلب اللذات مزدجر وعامل لمحل سوف تشهده يوماً تكور فيه الشمس والقمر لا تحقرن يسير الخير تفعله فرب نفع لسيء وهو يحتقر وجانب الشر لا تسلك طريقته ولا يكن لك في أصحابه أثر فكل نفس ستجزى بالذي عملت وليس للخلق من ديانهم وزر تأتي الجلود وأيدينا وأرجلنا فيشدون معاً والسمع والبصر فنبتني كل من كانت جوارحه هي الشهود عليه كيف يعتذر؟ أم أين يهرب أم ماذا يقول وهل يطيق دفعاً لها أم كيف ينتصر؟

(1) سورة الزخرف الآية: 36. (2) سورة الحج الآية: 46. (3) سورة الإسراء الآية: 36.

قناطر الخيرات / ج 3/ م 13

[221]