الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩٩قنطرة النفس
199
وأما حياؤه من نفسه فيكون بالعفة وصيانة المخلوقات / وقد قال بعض الحكماء، ليكن [227 استحياءك من: نفسك أكثر من استحياءك من غيرك.
وهذا النوع من الحياء قد يكون من فضيلة النفس وحسن السريرة فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة فقد كملت فيه أسباب الخير وانتفت عنه أسباب الشر مع ما قدمنا من مجاهدة النفس وترك الخلوة بمن لا تؤمن منه الفتنة والتباعد عنهم، فإن ذلك من أقوى أسباب السلامة قال الشاعر:
وإني ليثنيني عن الجهل والخنا وعن شتم ذي القربى خلائق أربع حياء، وإسلام، وتقوى، وإنني كريم، ومثلي من يضر وينفع ولا ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بنفسه فيخلو بمن لا تؤمن فتنته من امرأة أو غلام اعتماداً على إنه قوي على مجاهدة نفسه عند هجوم الشهوة عليه. قال الشاعر: لا تأمنن على النساء أخا أخي ما في الرجال على النساء أمين كل الرجال وإن تعفف جهده لا بـ د أن بنظرة سيخون
وهذا يوسف الصديق صلى الله على نبينا وعليه في عصمته يقول: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بالسوء … ) (1) الآية. وقال: {رَبِّ السَّجْنُ أَحَبُّ إِليَّ مِما يَدْعُونَنَي إِلَيْهِ وإِلا تَصْرِفُ عَنِّي
(2)
كَيْدَهُنَّ وَأَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ (2) .... الآية. وقال عليه السلام: «لا يخلون أحدكم بامرأة ليست بذات محرم منه فإن الشيطان أحدهما» (3). أو قال: «ثالثها» وليحذر أيضاً من مواضع التهمة، فإن من يدخل مداخل السوء يتهم وكفى بصاحب التهمة شراً إن صحت عليه التهمة افتضح وإن لم تصح ارتهن في الأئمة المتهومين، وتحمل ذلة المذنبين، وقد قال عليه السلام: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (4). وليحذر أن يجعل إلى نفسه سبيلاً من تصديق التهم، فما كل ريبة ينفيها حسن الثقة، هذا أبعد خلق الله من الريب وأصونهم عن التهم، وقف مع زوجته صفية ذات ليلة
رسول الله وهو
(1)
(2)
سورة يوسف الآية: 53.
سورة يوسف الآية: 33، 34.
(3) أطرافه عند أحمد في المسند (18/ 1)، المنذري في الترغيب والترهيب (39/ 3).
(4) أطرافه عند الترمذي (2518)، النسائي في المجتبى (الأشربة ب (48)، أحمد في المسند (200/ 1)، البيهقي في السنن (335/ 5)، الحاكم في المستدرك (13/ 2) بالطبراني في الكبير (75/ 3).
[228]