الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٠٢202
قنطرة النفس
ذلك جرأة تقدمت مني على كلام الرجال، غير أن المقادير تسوق العباد إلى مثل هذا، والذي حملني على أني لقيتك بنفسي في هذا الأمر أني أعلم أنكم معاشر النساك أمثال القوارير أدنى شيء يعيبه وجملة ما أكلمك به أني قد أصبحت وقلبي فارغ من أحوال الدنيا كلها إلا منك، فالله الله في أمري فإني أسأل الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما عسر من أمرك والسلام. قال: كلامها تغير لونه وأطرق ملياً، ثم قال: أف لشيطان علمك هذا الكلام، والله لأكيدنه
فلما
سمع.
فيك. ثم انصرف إلى مسجده وكان طويل الصلاة فعارضته الفكرة فيها فاستعاذ بالله منها، فانصرف إلى منزله فقدم فطوره فقال: لا حاجة لي فيه وانقطع عن ورده تلك الليلة، وعرضت 2316] له وساوس من أمر الجارية، فلما أن أصبح / دعى بدواة وقرطاس فكتب:
جنة
الله
بسم
الله الرحمن الرحيم
أما بعد: يا جارية إنك تدعونني إلى المعاصي كأنما لي ولك
من عذاب الله، اعلمي أن الله تعالى إذا عصي
ستر وحلم، فإذا عاد العبد إلى المعصية عاد في ستره وحلمه فإذا اتخذ العبد المعصية شعاراً وجعلها دثاراً غضب الله عليه غضباً لا يقوم لغضبه السموات والأرضون وما فيهن وعليهن يا جارية إن يكن ما ذكرت باطلاً فإني أحذرك: يوم الطامة والصاخة والواقعة يوم تكون السماء كالمهل وتجث الملائكة على الركب لصولة الجبار، لا يستمكن منه الحجاب وتطايرت منهم الكتب بالأيمان والشمائل، فالسعيد يومئذ من قدم عملاً يكون أنساً له في وحدته وأخاً مساعداً له في وحشته. وإن يكن ما ذكرت حقاً فإني أدلك على الطبيب الشقيق الرفيق الذي يداوي، فعليك بصدق المسألة، وحقيقة الاستكانة، لعله يكشف عنك ما ذكرت فإني متشاغل عنك بقوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ) (1). ثم طوى الكتاب، وخرج فإذا الجارية جالسة، فرمى الكتاب في حجرها فأخذته مسرورة، ورجع الفتى إلى منزله فأقام أياماً لا يخرج إلى مسجده، فلما كان بعد أيام قال: والله لأخرجن لعلها انقطعت فنظر إليها جالسة فهم بالرجوع.
فلما
الله
فنادته: يا فتى سألتك بالله لما وقفت عليّ أكلمك فهذا آخر يوم أكلمك إلا بين يدي ا سمع وقف فقالت: قد فهمت ما خوفتني به والله إني لكذلك، وعلم يا فتى أنه كلما طالت [232] المدة عظم البلاء فعظني فوالله لأقطعن حنجرة طمعي فيك باليأس / ولأنفضن كفي منك بالإفلاس فقال لها: يا جارية أحذرك من نفسك لنفسك، وفكيها من حبسك، ثم ذهب ليولى
فتعلقت به فقال لها: ما وراءك؟ فقالت: تحفظ عني هذه الأبيات وهي:
(1) سورة غافر الآية: 18.